فراس حج محمد *

يعدّ مفهوم التّخييل الذّاتي من المفاهيم النّقديّة الحديثة الدّاخلة إلى مصطلحات الفنّ الرّوائيّ، ويحيل هذا المصطلح إلى فنّ الرّواية وفنّ السّيرة الذّاتيّة، فهو يأخذ محدّداته المفهوميّة من الفنّين معاً، فالعمل السّرديّ الموصوف بأنّه تخييل ذاتيّ جامعٌ بين جنس الرّواية وجنس السّيرة الذّاتيّة، بحيث يبنى العمل الأدبيّ السّرديّ على الازدواجيّة بينهما. ويحدّد التّخييل الذّاتي بشروط معيّنة، أوّلها إحالته التّجنيسيّة إلى فنّ الرّواية، وأن تكون الشّخصيّات الواردة فيه شخصيّات حقيقيّة، وأن يتوحّد الكاتب والسّارد في شخصيّة واحدة، تقصّ الأحداث بضمير أنا.

وحتّى لا يقع الكاتب في مشكلة تجنيسيّة لهذا النّوع من السّرد، يجب أن يكون واعياً إلى ضرورة الإحالة الواقعيّة للأحداث التي يتمحور حولها السّرد، وقد تنبّه النّاقد لطيف زيتوني إلى واحد من شروط التّفريق بين الرّواية بوصفها متخيّلاً لا تحيل إلى مرجعيّات واقعيّة حقيقيّة، في تفريقه بين الكاتب والسّارد وأنّهما ليسا شخصيّة واحدة. يقول زيتوني: "ينفصل الرّواي عن الكاتب في النّصوص المتخيّلة التي تروي أحداثاً لم يشهدها الكاتب أو التي خالف فيها ما شاهده في ترتيب الوقائع أو الأسباب أو النّتائج أو الأماكن أو الزّمن أو أسماء المشاركين فيها أو علاقاتهم أو أحاديثهم.. إلخ.. فحين تقدّم الرّواية الحدث المتخيّل بدل الحقيقيّ، لا يعود للكاتب الحقّ في روايته (كي لا يصبح كاذباً)، فتروي الحدثَ شخصيّة خياليّة هي الرّواي" (من بحث "السّيرة بوصفها شكلاً سرديّاً"). أمّا في التّخييل الذّاتي، فثمّة اقتران بين السّارد والكاتب اقتراناً حتميّاً، غير مراوغ ولا ملتبس.

ويكتسب هذا النّوع من الكتابة شرعيّته من طبيعة العمل الأدبيّ، وخاصّة السّرد الرّوائيّ، فكما يقول د.وليد سيف: "عندما يكتبُ الكاتب عملاً معيّناً لا يستطيع أن يتحرّر من محتوى وعيه، لا يستطيع أن يتحرّر من الخلفيّة التي جاء منها، لا يستطيع أن يتحرّر من أسئلة الواقع التي تحيط به" (برنامج "زيارة خاصّة"، قناة "الجزيرة"، 27/8/2011)، فالكاتب عندما يكتب روايته لا بدّ أن يغرف من مخزونه المعرفيّ معدّلاً ومطوّراً، إضافةً وحذفاً، وكأنّ كلّ رواية تحيل إلى شخصيّة كاتبها وتجاربه.

ويكتنف وجود هذا النّوع من السّرد في الأدب العربيّ المعاصر إشكاليّات كبيرة أشار إليها الباحث عبد الله شطّاح في بحثه المعنون "تسريد الذّات بين الرّواية والسّيرة الذّاتية.. المرجع والمتخيّل" (مجلة "عالم الفكر"، العدد 171، ص7-28)، حيث يورد جملة من هذه الأسباب، من أهمّها "أنّ التّخييل الذّاتيّ لم يقتحم المتن النّقديّ العربيّ بعد"، وبالتّالي فإنّ الرّوائي العربيّ، ومنه الفلسطينيّ ربّما، ما زال يجهل هذا المصطلح النّقدي وحدوده الفنّيّة، وإن مارسه في الكتابة على استحياء. وثاني تلك الأسباب أنّ "الكاتب العربيّ ما زال غير قادر على تحمّل تبعات البوح عن الذّات"، وهنا يمكن أن تثار إشكاليّات خاصّة بالموروث والمجتمع والبنية الثّقافيّة. وسبق أن نوقشت كلّ تلك المسائل في فضاء السّيرة الذّاتيّة العربيّة، التي جاءت متستّرة غير معلِنة عن خفايا خاصّة للكاتب كما ينبغي أن تكتب السّيرة الذّاتيّة.

ومع ذلك، هناك نماذج من السّرد العربيّ قاربت مفهوم التّخييل الذّاتيّ. وقد أورد الباحث شطّاح نماذج منه عند محمّد برّادة وواسيني الأعرج، في حين اعتبر أنّ عبد القادر الشّاوي هو "الكاتب العربيّ الوحيد الذي نحا هذا المنحى".

وفي السّياق نفسه في السّرد العربيّ، يمكن أن يحيل الدّارس القارئ إلى أعمال روائيّة كتبها أصحابها تستند إلى خبراتهم الذّاتية الواقعيّة، من مثل رواية "سارة" للعقاد، و"يوميّات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، وفيما كتبه الرّوائيّ الكويتيّ طالب الرّفاعي، وأشار إلى شيء من ذلك معتمداً على مفهوم التّخييل الذّاتيّ، مقرّاً أنّ في روايته "النّجدي" قدراً من سيرته الذّاتيّة. (حوار مع الرفاعي في صحيفة "الرّأي" الأردنيّة أجراه جعفر العقيلي بعنوان: "طالب الرّفاعي: أكتب سيرتي في الرّواية.. وهذه مغامرة!"، 8/7/2017،)، وربما كانت رواية "من يتذكر تاي" للروائي ياسين رفاعيّة أكثر رواية عربيّة واضحة في انتمائها للتّخييل الذّاتيّ، وذلك لإحالتها الصّريحة إلى الواقع، إذ يقول الكاتب في نهاية الرّواية: "جرت أحداث هذه الرّواية الواقعيّة بين عامي 1967و1973. الأسماء والأمكنة كلّها حقيقيّة"، فتحدث عن بيروت وأماكنها وناسها في هذه الفترة، وعن شخصيات حقيقية، فحضر في الرّواية الشّاعر الفلسطينيّ معين بسيسو، والشّاعر اللّبنانيّ أمين نخلة، والكاتب الفلسطينيّ غسان كنفاني، والتزم السرد بضمير "أنا".

وقبل الدّخول إلى الرّواية العربيّة والفلسطينيّة، يمكن التعريج على رواية "طعام، صلاة، حبّ- امرأة تبحث عن كلّ شيء" للكاتبة إليزابيث جيلبرت، حيث كتبت سيرتها الذّاتية على شكل رواية، ولكنها غيّرت الأسماء، ما عدا اسم صديق لها يدعى "ريتشارد". تقول: "ريتشارد الآتي من تكساس هو فعلاً ريتشارد، وفعلاً من تكساس، وقد قررت استخدام اسمه الحقيقيّ لأنّه كان في غاية الأهمّيّة لي عندما كنت في الهند"، وتضيف قائلة عن هذه الشّخصيّة: "حين سألت ريتشارد ما إذا كان لديه مانع أن أذكر في الكتاب أنّه كان سكّيراً ويتعاطى المخدّرات، قال إنّ لا مانع لديه" (مقدّمة الرّواية، ترجمة: زينة إدريس، ص7)، علاوة على أنّ الكاتبة تذكر اسمها صراحة في الرّواية، وتسخدم ضمير "أنا"، ومع أنّها أقرب إلى السّيرة الذّاتيّة منها إلى الرّواية إلا أنّها مثال صالح تماماً لرواية التّخييل الذّاتيّ للاعتبارات التي أشرنا إليها سابقاً، وقد اتخذت الكاتبة جنس "الرّواية" لكتابها هذا، ومع أنّها تهمل التّصنيف على الغلاف، فإنها تصرّح بذلك في المقّدّمة، تقول: "قسّمت روايتي إلى 108 حكايات" (ص5).

وهنا يمكن التذكير بالنّقاش الذي دار حول رواية عبد الرّحمن منيف "الآن هنا"، وأنّها كانت قصّة حقيقيّة لأحد معارفه من السّجناء السّياسيّين، وهو حيدر الشّيخ عليّ، القياديّ في الحزب الشّيوعيّ العراقيّ" وبحسب مروان ياسين الدليمي، لم يكن منيف أميناً مع حيدر عندما لم يُعِد إليه أشرطة تسجيل صوتيّة طلبها منه كان قد سجّلها في بيت فالح عبد الجبار لبطل الرّواية في الواقع، واعتمد عليها منيف في كتابة روايته. (مقال: حول اتّهام عبد الرّحمن منيف بالسّرقة: حرقُ الثقافة أم ثقافةُ الحَرق، صحيفة "القدس العربي"، 7/4/2017). وأثارت هذه القضية ردود فعل نقديّة وغير نقديّة، ما اضطر زوجة منيف، سعاد قوادري، أن تكتب مدافعة عن زوجها غير نافية الحادثة والتّسجيلات: "إنّ سماع الرّوائيّ لقصّة لا يعني أن يكتبها، فكلّ النّاس لديهم قصص وحكايات، ولو كتب كل منهم ما لديه لأصبح جميع النّاس روائيّين" (موقع "روتانا"، أرملة عبد الرّحمن منيف تردّ على اتهامات فالح عبد الجبار لزوجها، نُشر بتاريخ 3/4/2017).

وما يقال عن الرّواية العربيّة ربّما ينطبق على الرّواية الفلسطينيّة، فلا يوجد رواية فلسطينيّة تماهت تماماً مع مصطلح التّخييل الذّاتيّ، مع أنّ هناك إشارات نصّيّة أو فوق نصّيّة لحضور الكاتب أو اعتماده على مرجعيّات واقعيّة في المتن الرّوائيّ، فعندما أصدر أحمد رفيق عوض روايته "عذراء القرية" تعرّض للملاحقة، لما ظنّه المقرّبون منه أنّه يتحدّث عن شخصيّات لها مرجعيّات واقعيّة، وهو ما تكرر حول ما تحدّث عنه الرّوائيّ والنّاقد عادل الأسطة في نصّ "تداعيات ضمير المخاطب"، و"ليل الضّفّة الطّويل"، وربّما كان السّارد في رواية "وقائع اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل" هو نفسه إميل حبيبي على ما في هذه النّتيجة من كارثة واقعيّة، تجعل من إميل حبيبي متعاوناً مع الاحتلال منذ بداياته، كما لمّح إلى ذلك النّاقد عادل الأسطة، عندما نشر شيئاً من ذلك على صفحته في "فيسبوك".

لقد أشرتُ خلال دراسة سابقة لرواية جبرا إبراهيم جبرا "صيّادون في شارع ضيّق"، إلى التّطابق بين شخصيّة جميل فرّان والكاتب، وأشرت كذلك إلى أنّ باسم خندقجي في روايته "نرجس العزلة" كان ينطلق من تجربة ذاتيّة، وكذلك فعل إبراهيم نصر الله في "أرواح كليمنجارو"، فقد بنى الرّواية على رحلة حقيقيّة إلى جبل كليمنجارو، وقد شارك فيها الكاتب، وكما صرّح بذلك غير مرّة أنّه أراد أن يجسد هذه الرّحلة روائيّاً، مبتعداً وبكل قصد عن أدب الرّحلات أو اليوميّات. كما يكشف نصر الله أنّه تحدّث عن والده ووالدته في روايته "طيور الحذر"، يقول: "كتبتُ عن أمّي، وكان اسمها الحقيقيّ، عائشة، موجوداً في روايتي (طيور الحذر)، التي تحدّثت فيها عن بدايات الهجرة وأشياء كثيرة، حتّى مرحلة المراهقة. أمّا أبي، الذي حضر باسمه أيضاً في الرواية، فكنت نادراً ما أراه، لأنّه يذهب للعمل قبل أن نصحو، ويعود بعد أن ننام. كان طيّباً، وعليه أن يؤدّي دوراً صارماً في السّاعات القليلة التي نراه خلالها، ربّما ليعوّض عن غياب متابعته لنا، ليقول لنا إنّه هنا" (موقع "فسحة"، حوار أجراه سامح خضر، ونشر في 7/5/2018). وأشار إلى شيء من ذلك محمود شقير في روايته "مديح نساء العائلة" التي جاءت تمجّد نساء عشيرة "الشّقيرات" وهي عشيرة الكاتب. وفي مقالة كتبها يحيى يخلف ونشرها في "أخبار الأدب" المصريّة (26/5/2018)، يقول إنّ روايته "نجران تحت الصّفر" كانت "شهادة عن تجربة معيشة"، إذ عمل في تلك البقعة معلّما لمدّة سنة.

لقد اعتاد كثير من الكتّاب وضع تنويه في مفتتح رواياتهم ينفون فيه أيّ تطابق بين ما في الرّواية من أحداث أو شخصيّات وبين الواقع، لئلّا يقع القارئ في غواية البحث عن الإحالات المرجعيّة الواقعيّة. هكذا فعل جبرا إبراهيم جبرا في "صيّادون في شارع ضيّق"، وكذلك باسم خندقجي في "نرجس العزلة".

وعمد بعض الكتّاب إلى وضع تنويه ليمكّنهم من رسم الحدود بين المتخيّل والواقعيّ، دفعاً لتوهّم القارئ وتثبّت "أفق الانتظار" له نحو فنّ الرّواية المبنيّ على المتخيّل فقط، فقد كتب عيسى القواسمي في بداية روايته "الشّغف" هذا التّنويه: "جميع الأسماء التي ورد ذكرها في الرّاوية خلال حصار كنيسة المهد هي أسماء حقيقيّة لأشخاص عايشوا فترة الحصار، بالإضافة إلى أسماء الشّهداء والمنفيّين،... أمّا أبطال الرّواية فهي أسماء لأشخاص افتراضيّين، أضيفت في سياق الهدف الأساسيّ الذي قامت لأجله الرّواية" (ص6)، وبالتّقنيّة نفسها يثبت محمود شقير قبل الشّروع في روايته "فرس العائلة" هذه الفقرة: "باستثناء الشّخصيّات العامّة والمعلومات المستقاة من مصادرها، فلا علاقة لهذه الرّواية بأشخاص أو وقائع خارجها، وأيّ تشابه في الأسماء والوقائع ليس مقصوداً، وهو من باب الصُّدفة المحضة" (ص4).

ومثل هذه التّنويهات ترجع في حقيقتها إلى محاولة الكتّاب إبعاد التّهم عن أنفسهم، وخاصّة إذا كان الحدث الرّوائيّ شائكاً أو يمكن أن يعرّض الكاتبَ إلى المساءلة الاجتماعيّة كما في حالة أحمد رفيق عوض، أو المساءلة القانونيّة والسّياسيّة كما حدث مع عبّاد يحيى في روايته "جريمة في رام الله" وما جرّته من متاعب عليه.

أمّا أفنان القاسم، فقد احترس احتراساً مغايراً عندما افتتح روايته "أربعون يوماً بانتظار الرّئيس- رواية السّقوط الفلسطينيّ"، بقوله: "إنّ هذه الرّواية ليست بنت خيالي الشّرقي المجنّح (....) بل أكاد أقول، توكيداً للشّبهات، إنّ أيّ شبه بين تونس هذه الرّواية وتونس تلك البلاد ليس محض هذيان نوسطالجي" (ص8)، وتلتقي هذه الرّواية مع رواية "من يتذكّر تاي" في أنّ الكاتب يصرّح بانتمائها إلى الواقع الحقيقيّ وليس إلى المتخيّل، وبذلك تكون هذه الرّواية قد قاربت كثيرا فنّ "التّخييل الذّاتيّ".

ومن التّجارب الرّوائية المهمّة في باب التّخييل الذّاتي تَبرز رواية "أهل الجبل" لإبراهيم جوهر، والتي استندت إلى وقائع حقيقيّة وشخصيّات حقيقيّة، مع أنّ الكاتب حرّف الأسماء قليلاً، فخولة العايد وراشد البلد وميسرة جابر هم من أصدقاء الكاتب الحقيقيّين وأبناء الجبل (الخليل)، ولكنّه بهذا التّحريف الذي يحيل إلى المرجعيّة الواقعيّة جعل رابطاً بينها وبين مرجعياتّها الحقيقيّة، ملتزماً السّرد بضمير الأنا، ومحيلاً القارئ أيضاً إلى شخصيّات ومواقع وأحداث واقعيّة، وخاصّة إسحاق الحروب، صاحب القصّة المعروفة والمشهورة في محافظته على التّراث الفلسطينيّ في منطقة الخليل. وقد التزم الكاتبُ السّرد بضمير الأنا دون أن يفصح عن اسمه، وهو ما فعله أيضاً الرّوائيّ باسم خندقجي في "نرجس العزلة"، فلم يعلن هو الآخر عن اسم السّارد.

وفي مقدمة الرّواية يشير جوهر إلى شيء من واقعيّة الأحداث، فيكتب: "أرسل إليّ صديقي ابن (رام الله) الذي لم يشأ أن أذكر اسمه هذه الحلقات متسلسلة طيلة أيّام شهر رمضان 1435 للهجرة - 29 حزيران-27 تموز 2014م. كان في كلّ ليلة يرسل حلقة أو اثنتين فأبادر من فوري لنشر ما يردني على صفحتي في (الفيسبوك)... حتّى اختلط الأمر على عدد من قرّائي المتابعين وأصدقائي فعاتبوني لأنّني لم أشملهم بالإشارة واتّهموني بأنّني ابتعدت عن قراهم ومدنهم ومخيّماتهم" (ص7).

ومع أنّ الكاتب يتبرّأ من أنّه هو كاتب هذه الرّواية ويؤكد أن ما فعله هو نشر حلقات أرسلها له صديقه "المتواري هناك في (رام الله)"، إلا أنّ ذلك لم يعدُ كونه حيلة كتابيّة ليس أكثر.

أمّا رواية "مصائر- كونشرتو الهلوكست والنّكبة" لربعي المدهون، فيذكر فيها المؤلف اسمه صراحة، ولكن ليس بوصفه كاتباً وسارداً، وإنّما بوصفه كاتبتً ينشر في صحيفة "القدس العربي"، تقرأ له الشّخصيّة الرّئيسيّة "وليد دهمان" مقالاً في أحد أعداد الصحيفة: "فتحتُ الصّحيفة عشوائيّاً. قلّبتُ صفحاتها. استوقفني في النّصف الثّاني من الصّفحة الثّقافيّة الثّانية، مقال بعنوان (لا تصدقوهم.. لم ينسوني بعد أربعين عاماً)، فاجأني اسم كاتبه: ربعي المدهون. "يا إلهي"، صحت حتى كدت أسمعني. لم أعد أستبعد أن يكون صاحب الصّحيفة الذي يحققون معه، الآن، هو المدهون نفسه. ماذا لو كان هو فعلاً؟ هل أسأله عن مصيري في روايته (السّيّدة من تل أبيب) التي جعلني بطلاً لها، وكتّبني رواية أخرى خلقتُ أنا أبطالها وصنعت أحداثها؟" (مصائر، ص166-167).

لقد جاء هذا المقطع على لسان "وليد دهمان" بوصفه بطلاً وسارداً يقصّ الأحداث بضمير "الأنا"، جاعلاً فاصلاً فنّيّاً بين الكاتب المدهون وبين شخصيّته الرّئيسيّة. وفي المقتبس السّابق إشارة لرواية "مصائر" نفسها، وعبارة "كتّبني رواية أخرى خلقت أنا أبطالها وصنعت أحداثها" تشير إلى رواية "السّيّدة من تل أبيب". مع أنّ هناك دارسين أشاروا إلى العلاقة بين "وليد دهمان" وبين المدهون نفسه، فكلاهما وُلد في المجدل، قرب مدينة عسقلان جنوب فلسطين، وهاجرت عائلتاهما بعد النّكبة إلى مخيم للّاجئين في خان يونس بقطاع غزة، وهما يقيمان في لندن، ويحملان الجنسيّة البريطانيّة. ولعلّ هذا التّماهي بين الشّخصيّتين هو ما دفع النّاقد وليد أبو بكر في دراسته للرّواية أن يصف المدهون بالنّرجسية، يقول أبو بكر: "لكن الأمر لا يتوقف عند التخفّي وراء وليد دهمان، بطل الرّواية، لأنّ ربعي المدهون نفسه سريعاً ما يظهر باسمه الصّريح في روايته في نوع من الاستعراض لا أظنّ أنّ تاريخ الرّواية عرفه حتّى الآن" (ظاهرة التّثاقف وآثارها المدمّرة على السّرد، ص 140).

لعلّ في هذه النّتيجة التي توصّل إليها أبو بكر تجنيّاً على المدهون، فليس دقيقاً أنّ هذا الذي حدث مع المدهون لم يعرفه تاريخ الرّواية حتّى الآن، فقد أشرت سابقاً إلى أنّ أحد شروط رواية التّخييل الذّاتيّ هو اعتمادها على مرجعيّات واقعية وإيراد أسماء حقيقيّة في المتن الرّوائيّ، وربّما غاب عن النّاقد أبو بكر مصطلح التّخييل الذّاتيّ، أو أنّه غيّبه عمداً، متبنّياً أفكاراً مسبقة تحتلّ ذهنيّة النّاقد التي لم ترَ في الرّواية غير مثال للتّطبيع، فـ "في الرّواية، تنوّعت سبل الإقناع بإمكانيّة التّعايش، والدّعوة إلى التّطبيع، دون تستّر على الإطلاق" (ظاهرة التّثاقف، ص155)، فاستفظع مثل هذا من المدهون، مع أنّ إشارة النّاقد أبو بكر للنّرجسية فيها وجه من الصّواب، فمًن تحدّث عن روايات التّخييل الذّاتي كان هاجس النّرجسيّة حاضراً في وعيه النّقديّ (مراجعة بحث عبد الله شطاح المشار إليه أعلاه).

ومع كلّ ما يقال حول هذه التّجارب الرّوائيّة، التي تستقي مادّتها من الواقع المعيش، الا أنّ كتّابها لا يستطيعون التّخلّص من الذّات وتجاربها الخاصّة، مهما اجتهدوا في تحويل وجهة نظر القارئ عن الرّبط بين الكاتب والسّارد أو بين الكاتب والشّخصيّات وعلاقته الواقعيّة بهم، وأنّهم ليسوا كائنات لغويّة مجرّدة من مرجعياتّها الواقعيّة، وربّما ستعلن أحاديث الكتّاب الصّحفيّة ومذكّراتهم الشّخصيّة ما أخفوه يوماً أو حاولوا إخفاءه.

ويمكن إحالة القارئ إلى جهود بعض النّقّاد الذين تناولتْ أبحاثهم هذه القضيّة النّقديّة من أمثال محمّد الدّاهي وكتابه "الحقيقة الملتبسة- قراءة في أشكال الكتابة عن الذّات"، وصلاح صالح وكتابه "سرد الآخر- الأنا والآخر عبر اللّغة السّرديّة، والنّاقد الألمانيّ فولفغانغ إيزر في كتابه "التّخييلي والخيالي" الذي ترجمه حميد لحميدي والجلالي الكدية. ولا شكّ في أنّ هناك عشرات المقالات والأبحاث المنشورة في الدوريات، والتي أصبحت تولي عنايتها بهذا المصطلح وتجلّيه في الرّوايات العربيّة.

* كاتب فلسطيني