وليد فاضل جرادات*

لاكتني الألسن حتى لم يعد مني قضمة إلا وبها أثر من حاقد أو حاسد.

تململت من بين الأسنان أبحث عني، فوجدت أني بكل الخطايا محمل، ووجدتني قابيل القاتل، وأنا هابيل المقتول، ووجدتني سبب حرب البسوس، وكل نكسة أصابتنا، واكتشفت أن الكوارث من زلازل وبراكين من صنع يدي، فاستعذت بالله مني وشرعت مع اللائكين أمضغُ لحمي، وأبصقه يمنة ويسرة، وألعن قساوة قلبي الذي حار اللائكون به، والصابئون عن دينهم، وعلى رأسهم أنا...

نتشتُ من دماغي قضمة، حرت بها، هل أتركها عرضة للجائعين؟ أم أبصقها للطامعين؟ أم أبلعها رغم مرارتها إلى جوفٍ ما اعتاد إلا أن يهضم الإساءة ويبدلها الحسنة؟

تخاصمتُ وأمي مَن منا يأكل لساني. أصرّتْ هي أن يكون من حصتها، ومضيت أنا في غرور، راكباً رأسي ألّا يأكل لساني غيري.

وتدخّل أهل الخير بيننا، كلٌّ يدلي بدلوه، كان رأي الأكثرية: "أنت ومالك لأمك"، قلت: "حد علمي أنه (أنت ومالك لأبيك)، دعوا أبي يأكله"، قالوا: "الجنة تحت قدميها"، قلت: "لم يبق مني في نار الطامعين وأفواه الحاقدين مضغة تدخل الجنة".

لاك اللائكون، ومضى كلّ إلى غايته، وبقيت ألملم ما بقي مني، أشلاء لا تسمن من جوع، ولا تغني من خوف.

بكتني أختي، وبقية من أصحابي نقلوا رفاتي إلى بلدة قريبة من القلب، بعيدة عن الجائعين، عزيزة على الطامعين.. واروني الثرى، وذهبوا.

بقيت وحيداً لرطوبة الأرض الممزوجة ببعض الحرارة، ينتابني شعور بالخوف والألم.

برودة تشبه علاقتي اليوم ببعض من كانوا يسمون "رفاق درب". بدأت تسري في جنبي الأيمن، وتنتقل رويداً رويداً إلى بقية جسدي.

المكان موحش جداً. وسكون لا يكسره سوى صوت ولدي (نبيل) الذي يقف فوق رأسي يدعو لي بكل صدق، ويبكيني، ونشيج أخيه (نسيم)، المختلط بعويل أمه، تلك التي ما فتئت تدعوني إلى الصبر، وتشاركني آلامـي وآمالـي.

وقفتْ الأخرى فوق رأسي، بكتني بحرقة وذكرتني بقول الشاعر:

دع المقادير تجري في أعنّتها

ولا تبيتنّ إلا خالي البالِ

ما بين طرفة عين وانتباهتها

يغير الله من حالٍ إلى حال.

كنا قد تعاهدنا ألّا يترك أحدنا الآخر وحيداً، وهاأ نذا الآن أتركها وحيدةً، أتركها عرضة للبراكين والزلازل، ولا أملك أن أدفع عنها حتى مسّة حزن تصيبها، وأنا الذي كنت أجاهد الدنيا ألّا يمسها سوء، أتركها الآن مرغماً، لا حول لي ولا قوة، وعزائي أن لها الله، وشبلين يعز عليهما أن يضام أبوهما مرتين.

"من ربك؟ وما دينك؟".. صوت أتاني يقطع عليّ خلوتي، لم أستطع جواباً، فدماغي لاكه كبير الطامعين، وأنا بلاه بلا كيان، ولساني أكلته أمي، وأكلت معه كل إجابة. "من ربك؟ وما دينك؟". أتاني السؤال مرة أخرى، فتشت عن يدي لأشير بهما مجيباً، لم أجدهما، ترى مِن نصيب مَن باتت يديّ؟ أتراهما من نصيب عمران الذي كثيراً ما أطعمته؟ أم من نصيب عمير؟ "من ربك؟ وما دينك؟". السؤال مرة أخرى مصحوباً بضربة قصمت ظهري. ترى، هل بقي لي ظهر حتى يقصم؟

تذكرت قلبي، أليس المرء بأصغريه؟ أجبت بلسان طليق، أعني بقلب طليق، فهنالك لا رقابة ولا قيود: "الله ربي، و...". وتوالت الأسئلة والإجابات.

لم يعجزني سوى سؤال واحد وقفتُ عنده ملياً، لم أجد له إجابة، بل لم أعد أذكره، بعدها نفض التراب عني وقيل لي: "عد إلى الدنيا، لست أنت المطلوب للموت".

* كاتب أردني