بعد غياب عدة أشهر عاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى البوابة الأردنية. ورغم وضوح وصلابة الموقف الأردني تجاه المحاولات الأميركية والإسرائيلية لطي ملف القضية الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني، إلا أن المسؤولين الفلسطينيين فضلوا الابتعاد عن وسائل الإعلام في تقييم الموقف الأردني الرسمي بل والتزموا الصمت ومارسوا الانتظار.

ويبدو أن تصريحات جلالة الملك في رئاسة الوزراء اخيرا قد بعثت بجرعة عالية من الاطمئنان الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي لم يتوانَ عن الحضور فورا الى عمان وتقديم الشكر على الموقف الأردني الذي أكد الملك انه نفس الموقف في العلن وفي الغرف المغلقة.

المعضلة اليوم هي أن الإقليم بات ساحة خصبة للتسريبات الأميركية والإسرائيلية في محاولة لبث الفرقة من خلال التشكيك بمواقف الدول العربية جميعها، لكن يبدو أن الدول العربية ما زالت تتخذ مواقف مؤيدة لحل الدولتين في إطار مبادرة السلام العربية وأساسها قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

ولا اعتقد أن أحدا من القادة العرب قادر على التنازل عن القدس الشرقية أو حتى الضغط على السلطة الفلسطينية بالقبول بما تسمى صفقة القرن، وفي ذات السياق فان الإدارة الأميركية ستبقى عاجزة عن طرح (الصفقة) بدون تأمين الموافقة الفلسطينية عليها.

ومن الواضح إن نتانياهو يراهن على إدارة ترمب بأنها الوحيدة القادرة على فرض الحل النهائي وتمريره على العرب وإغلاق الملف من خلال استكمال المشروع الصهيوني، بإخراج القدس من المفاوضات وإعلان يهودية الدولة وإقامة دويلة فلسطينية بشروط إسرائيل.

إن صلابة وعناد الموقف الفلسطيني الرسمي في مواجهة الموقف الأميركي ابتداء من نقل السفارة الى القدس وتجميد عمل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية ووقف المساعدات عن السلطة وتأييد قانون يهودية الدولة وأخيرا العمل على تفكيك الاونروا وإلغاء صفة اللاجئ عن جزء كبير من اللاجئين، قد فرض على الإدارة الأميركية تأجيل طرح صفقة القرن.

فالمقاطعة الفلسطينية للتعامل مع الإدارة الأميركية واعتبارها جزءا من الاحتلال الإسرائيلي قد أحرج الرئيس ترمب الذي حاول الضغط من اجل كسر المقاطعة التي فرضها الرئيس عباس على أركان إدارته وأعطى زخما وقوة للموقف العربي والأوروبي والدولي عامة تجاه واشنطن.

وقد اتضح إن الصفقة الأميركية هي مزيج من بيع الأوهام واستنزاف مليارات الحلفاء لهدف واحد ينحصر في حل مشكلة الاحتلال الإسرائيلي دون حل المشكلة الفلسطينية. وقد بدأ ذلك عندما نجحت إسرائيل في إقناع أميركا وجر بعض العرب للاعتقاد بان المشكلة الأساسية تكمن في إيران وليست في وجود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

والآن تفكر أميركا بالصفقة لتصفية القضية الفلسطينية وإنشاء حلف إقليمي عربي إسلامي ضد إيران في المنطقة وتكون إسرائيل جزءا منه، وهو ما يطلق عليه "الناتو العربي" ليكون"سدا في وجه العدوان الإيراني ولإحلال الاستقرار ومكافحة التطرف والإرهاب".

لكن أميركا تتناسى إن سبب كل مشاكل المنطقة جاءت من دولة الاحتلال وعنصريتها وإرهابها وليس من إيران، رغم المخاوف المشروعة لبعض الدول العربية من أطماع إيران السياسية في الإقليم.

إن اخطر ما يجري اليوم هو محاولات البعض في إيهام الشارع العربي بان صفقة القرن قد نفذت وانتهت وأن ليس بأيدينا سوى الاستسلام، والخطر الثاني يأتي من المحاولات المستميتة لتوقيع اتفاق هدنة طويل الأمد مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة عبر ترتيبات أمنية واقتصادية تحسن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة.

والحكمة تقول: "إذا لم تستطع تغيير الواقع فلا تستسلم له".

nabeelghishan@gmail.com