وليد سليمان

صاحب هذا الكتاب “ الحكمة الضائعة - الابداع والاضطراب النفسي “ هو الدكتور عبد الستار ابراهيم الذي تخرج في قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة عين شمس 1962 ونال الدكتوراه في علم النفس من جامعة القاهرة 1972.

وهو أستاذ العلوم النفسية واستشاري الصحة النفسية والعلاج النفسي بالمركز الطبي التابع لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران.

و شغل في السابق كثيرا من الوظائف الأكاديمية والسريرية في الوطن العربي وأمريكا.


وقد نشر د. عبد الستار نحو 100 بحث في كثير من المجلات العالمية المتخصصة والثقافية في الوطن العربي والولايات المتحدة وأوربا والهند. كذلك نشر كثيرا من الكتب الجامعية والثقافية في علم النفس والعلاج النفسي، وغيرها من الموضوعات التي تهم القارئ العام والمتخصص.

و كذلك هو عضو في كثير من الجمعيات العلمية العالمية في علم النفس والصحة النفسية بما فيها الجمعية النفسية الأمريكية، وأكاديمية العلوم والفنون والآداب بولاية ميشيجان، وجمعية الصحة العقلية التابعة لمنظمة الصحة الدولية.

كما مُنح الكثير من الجوائز التقديرية والشرفية من مؤسسات أمريكية وبريطانية، تقديرا لمساهماته الفكرية الملموسة، وإثراء الفكر العالمي.

يتناول مؤلف هذا الكتاب “ الحكمة الضائعة... “ بعض الأمور أو الضوابط العلاجية للمشكلات البدنية والمهنية أو الاجتماعية التي يتعرض لها العبقري أو المبدع، ويبدأ فيها الكاتب ـ وعلى عادة الأطباء النفسيين ـ بالتأكيد على عدد من الحقائق أهمها، أن ما سيعرضه هو اقتراح واجتهاد لا ينبغي بالضرورة أن يسير عليه كل المبدعين أو العباقرة، ولكنه نتاج أبحاث علمية، وأن الالتزام بهذا العلاج أو السير عليه هو أمر بين المبدع ونفسه، يجب أن يكون مقتنعًا به حتى يؤدي نتيجته على أكمل وجه، وأنه يجب أن يدرك المبدع أن هناك تكاملاً بين الممارسة الإبداعية، والصحة النفسية والعقلية، والفاعلية الاجتماعية، إذ يجب أن يحرص المبدع على أن يجمع بينهم.

1ـ الاسترخاء: ينصح الكاتب بالاهتمام بالصحة البدنية، وممارسة الاسترخاء لمدة لا تقل عن 10 دقائق 3 مرات يومياً , ويشير إلى أن الاسترخاء يختلف عن النوم العادي، أو مجرد الراحة، وإنما هو حالة يجب الوصول إليها عن طريق تدريبات محددة، تعمل على تراخي كل عضلات الجسم، وإبعاد الذهن عن أي مشتتات بصرية أو فكرية، بالتركيز التام في الجسم، والعمل على إراحته تمامًا.

وهذا الاسترخاء، وممارسته اليومية يساعد بنسبة كبيرة على الصحة البدنية والنفسية، كما يمنح المرء لياقة بدنية عامة .

2ـ ممارسة الرياضة بشكل منتظم : المشي أو الهرولة لفترة ساعة يوميًا او 3 مرات أسبوعيًا على الأقل، أو ممارسة السباحة، أو التدريبات السويدية الخفيفة التي تؤدي إلى التنفس بعمق.

3 ـ الغذاء المتوازن والملائم: والطريف انه في هذه النقطة لا ينصح بنظام غذائي، قدر ما يحذر من تناول الكحوليات، وشرب السجائر، والعقاقير المنشطة، أو المهدئة، وأنه على المبدع أن يقلل من استخدامها قدر المستطاع.

أما فيما يتعلق بمواجهة الضغوط الإبداعية :

فمن المهم أن يظل المبدع مطلعًا على العديد من الأفكار والخبرات , حتى إن اختلفت عن آرائه وافكاره، وينصح بقراءة العديد من الكتب والمجلات، والحرص على الاستماع إلى الآخرين وحضور الندوات واللقاءات الملائمة، و القيام بالرحلات، وزيارة المتاحف، وعدم التذرع بضيق الوقت، و التحرر من الأفكار السلبية تجاه هذه الأعمال.

إذ أنه ليس من الضروري أن يؤدي كل عمل تعمله إلى تغيير وجه العالم، كما أنه ليس مطلوبًا منك إنقاذ البشرية، وتحريرها من كل مشكلاتها، إذ أن الهدف الأساسي من الانسياب الإبداعي هو أن يمنحك إحساسًا بالسلام الداخلي والإشباع.

الكفاءة النفسية

1- أي أن على المبدع أن يعي تمامًا أن الإبداع كما يحقق له نوعاً من الرضا النفسي، والسرور بإنجاز هذا العمل، فإنه قد يكون سببًا في تضارب المشاعر عنده، وتحمل بعض مشاق العملية الإبداعية، من التفكير الذهني الكثير، أو التعرض لمواقف قد تؤثر عليه سلبًا ، وغير ذلك .

2ـ التحرر من طغيان الوقت: يجب أن يدرك المبدع أن لتنظيم وقته عاملاً هاماً في صحته النفسية، من جهة، وإنجازه الكثير من الأعمال من جهة أخرى، كما تتطلب إدارة الوقت الاستثمار الأمثل للأوقات التي تضيع منه باستمرار، وعدم إضاعة الكثير من قوته في أمور ترفيهية أو ثانوية , وينصح في هذا الصدد بعدم مشاهدة التلفزيون أكثر من 10ساعات أسبوعيًا.

3 ـ إتاحة الفرصة للاستغراق في العمل: إذ تشير الأبحاث النفسية إلى أن الاستغراق في عمل ـ خاصة إذا كان محبوبًا ـ يجعل المرء يشعر بالكثير من المشاعر الإيجابية، وتجدد نشاطته، وتمده بالطاقة للمزيد، وينصح للوصول إلى هذا الاستغراق بأن يفكر المرء في معانٍ أكثر شمولية من مجرد أداء العمل الروتيني، أو أنها مفروضة عليه.

الضغوط الاجتماعية وزملاء المهنة

يشير المؤلف الى أنه يجب أن ندرك بعدم وجود علاقة اجتماعية مثالية، بل ولا يوجد أسلوب مثالي لتكوين علاقة اجتماعية فعالة ودافئة، كل ما في الأمر تدريب النفي على التعامل مع الانفعالات السيئة التي تعوق السلام النفسي والفاعلية الاجتماعية.

ومن ذلك يحتاج المبدع أكثر من غيره إلى أن يكون حاسمًا في كثير من الأمور، حتى لا يدع المجال لبعض تلك الأمور أن توتر نشاطه، وتشغل حيزًا ليس ذا بال من تفكيره.

والحسم وتأكيد الذات أمران يختلفان عن العدوانية والغضب، فتوكيد الذات يعلمنا التعبير عن المشاعر الملائمة بطريقة مناسبة ، ويساعدنا الحسم على اتخاذ القرارات بسرعة مناسبة.

و لا تسمح ايها المبدع بدور واحد أن يحكم كل وقتك وان يلتهم كل علاقاتك، وإلا أصبحت كالممثل الفاشل الذي يتقن دورًا واحدًا فقط ، فيفقد بمرور الوقت اهتمام المشاهدين”، ويتم ذلك بتقدير الواجبات المطلوبة، وتحديد أوقاتها، ورسم حدود فاصلة بينك وبين الآخرين، حتى تستمر العلاقة بشكل ناجح .

وكذلك عدم إهمال شؤون أفراد الأسرة، وإعانة الأصدقاء والأقارب ، ومحاولة حل مشاكلهم، والخروج من دائرة النرجسية والتقوقع للفاعلية والنمو .

ولمن يرغب في اختيار طريق الإبداع من الشباب فلا تتردد ولا تخجل من طلب النصح من أهل الخبرة.

ولهذا الأمر طرفان، أحدها أنت ـ كمبدع ـ إذ عليك أن تحاول أن تعبر عن غضبك بشكل هادئ، ومن الممكن أن تبث مشاعرك إلى صديق موثوق، أو أن تحاور نفسك حوارًا هادئًا، فإن ذلك يعمل على تخفيف مشاعر الغضب من الطرف الآخر الذي قام بإغضابك، عليك ألا تفكر فيه بشكل سلبي مبدئيًا، بل حاول أن تضع أعذارًا لتصرفاته مهما بدت في نظرك غير منطقية، أو غير عادلة، فليس بالضرورة أن يكون الناس جميعًا متفقين معنا منطقيًا أو عادلين . وعلى المبدع أكثر من غيره أن يتدرب على تقبل الاختلاف، وتعلم فن التفاوض حتى يتمكن من الوصول للحلول الوسط.

ويعلم أنه ليس بالضرورة أن تكون منتصرًا في كل المواقف، وأن الأمر ليس مكسبًا وخسارة، وإنما هو عرض لوجهات نظر، قد تكون كلها صحيحة في النهاية.

أما التعامل مع النقد فهي نقطة بالغة الأهمية والخطورة ، وفيها ينصح بأنه يجب على المبدع ألا يفسر النقد على أنه امتهان شخصي أو استهانة به، ومما يساعد على ذلك نبذ الأفكار السلبية عن الآخرين، كفكرة(إنهم يتآمرون عليَّ)أو( لا يريدون نجاحي، ). والتفكير بروية في النقد الموجه إليك ، ومحاولة الاستفادة منه مادام بناءً، وإيجابيًا.

أما في حال ما إذا كان النقد سلبيًا وهدامًا فقط، ولا يستند على أساس منطقي ، فعلى المبدع أن يفكر في طبيعة علاقته بمن وجه إليه هذا النقد، ومن الممكن أن يلجأ معه إلى أسلوب” التعمية”.

وذلك بأن يظهر الموافقة على أحد جوانب النقد الموجه مع إظهار عدم الاكتراث بهذا الجانب، وبذلك يضمن تهدئة الطرف الآخر من جهة، وحماية المبدع من التصرفات الطائشة التي تؤثر عليه وعلى إبداعه فيما بعد .

و يحتاج المبدع أكثر من غيره إلى أن يكون له علاقاته الاجتماعية ، بحيث يكون له ومن حوله حلقة من الأصدقاء ممن يتسمون بالدفء والمودة والسماحة، والتقبل، ولتحقيق هذا الغرض أنت لا تحتاج إلى عدد غفير من الأصدقاء ، إذا يكفي أن تكون لك علاقة عميقة بصديق أو اثنين تشعر معهما بالتقدير والحب والنصح الخالص.

وهكذا فأن الكثير من الاضطراب النفسي يكون ناشئًا من أفكار مبالغ فيها، أو تعميم أوتوقع سلبي، أو تشويه في فهم وإدراك ما يحمله الآخرون من نوايا.

وأن كثيرًا من عوامل الاضطراب أو الضغوط النفسية نضع أنفسنا فيها باختيارنا، وكأنه يشير إلى فكرة الكوب الملآن، وأنه على المبدع أن يرى في الحياة دائمًا هذا الجانب المتفائل في كثير من الأحوال، وكما ينظر في جوانب الحياة إلى النصف الممتلئ من الكوب، فإنه يتعامل مع الناس بطريقة مشابهة، إذ البشر في الأرض ليسوا شياطين، ولا ملائكة، بل بشـر خطاؤون.

كذلك فإن كثيرًا من جوانب الاضطراب تنشأ من الربط بين وقائع غير مترابطة بالضرورة، مثل الربط بين التعاسة والانطواء، أو النشأة في ظروف أسرية تعيسة، أو الاكتئاب بسبب مرض أحد أفراد الأسرة، أو أن عملاُ من أعماله قوبل بالرفض أو النقد.

ويتشابه مع هذه الأمثلة ما يبدر من بعض المبدعين الذين يربطون تكاسلهم عن الإنتاج والإبداع بضيق الوقت، بدلاً من أن ينسبوا ذلك إلى تعارض نشاطاتهم الاجتماعية مع الأوقات المطلوب تخصيصها للعمل .

وهكذا يخلص المؤلف الى ان العلاقة بين الإبداع والاضطراب النفسي ، ما هي إلا ضغوط نفسية، وحياتيه، وأنه بإمكان المبدع أن يتعامل معها بإيجابية، وبطريقة قد تجعل منها سببًا للمزيد من الإبداع والتقدم وليس العكس .