أول ما يخطر على البال من مظاهر الفساد هو الفساد المالي الذي يقوم على السرقة المباشرة أو الخفية من المال العام أو الخاص، لكن للفساد وأبوابه صورا وأشكالا كثيرة بعضها يفضي إلى فساد مالي وبعضها الآخر يؤدي إلى تدمير مؤسسات الدولة وبنية المجتمع وعلاقاته وثقته أكثر من تأثيرها المالي.

وقد يكون انشغال الناس ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الرقابة المختلفة بموضوع الفساد المالي قد أعطى متنفسا للفساد الإداري ليتغلغل في أوصال المؤسسات الوطنية ويؤدي إلى إعطابها من الداخل وينعكس ذلك على المجتمع واستقراره وثقته بمؤسساته.

وللفساد الإداري صور لا تكاد تحصى تتصل بالتعيينات والترفيعات والترقيات والتنقلات ومنح الحوافز والمكافآت وسائر الإجراءات الضرورية لتسيير عمل المؤسسة مما يدخل كله تحت مسمى إساءة استخدام السلطة.

إن الفساد الإداري أشد خطرا على المجتمع ومؤسساته من الفساد المالي المباشر ، لأنه يمثل أهم سبيل من سبل الفساد المالي ، فلو كانت الإدارة أي إدارة عادلة ويقظة وأمينة وحازمة وتلتزم بالقوانين على أصولها بأمانة وإخلاص وموضوعية ونزاهة وتجرد لما استطاع أي سارق أو فاسد أن يهرب بفلس واحد من المال العام أو الخاص، والعكس كذلك.

ولئن كانت الخسائر المالية التي تنجم عن الفساد المالي يمكن تعويضها بشكل أو بآخر فإن الخسائر والأضرار التي تلحق بروح المجتمع ومسيرة مؤسساته نتيجة الفساد الإداري يصعب إصلاحها أو تعويضها بسرعة، بل إن هذه الأضرار تولد أضرارا لاحقة أيضا وتخلف بصمات مريرة في تاريخ المجتمع ومؤسساته.

وعندما يتخذ مسؤول ما موقفا منحازا إلى أصدقائه أو أقاربه أو أبناء محافظته أو قريته دون وجه حق ويقدمهم على غيرهم في التعيينات والتنفيعات وغيرها فإنه يدفع من تضرروا نتيجة ذلك أو من وقع عليهم الظلم إلى الاعتقاد بأن التحيز لا يجابه إلا بالتحيز وأن الظلم لا يواجه إلا بالظلم ، فيلجأون إلى المحاباة والفساد الإداري متى سنحت لهم الفرصة ردا على ما لحقهم من ضرر ، وبذلك يتضاعف الفساد ويزداد انتشاره ويولد فسادا جديدا قد يكون أكثر خطرا وضررا على المجتمع ومؤسساته. وبالتالي يصبح الفساد الإداري مصدرا للإفساد، ويغدو الفساد مرضا معديا ساريا يفتك بالمجتمع ويقوضه ويهدد سلامته.

إن مراقبة الفساد الإداري ومكافحته يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع مراقبة الفساد المالي ومكافحته، ضمانا لسلامة المجتمع وحرصا على الثقة بين أبنائه وعلى الثقة بين المجتمع ومؤسساته ومسؤوليه.

salahjarrar@hotmail.com