سلطة القارئ الفهامة قوة لاتعادلها قوة؛ لانه يمتلك زوايا رؤية متنوعة، ويعرف مقاصد الكلام، ويقرأ بعمق، ويدير النص بذكائه ورؤيته، ويعرف النص؛ جوانيته ومقاصده ومعانيه القريبة والبعيدة، ولذلك، يحسب الكاتب لهذا النمط من الكُتّاب ألف حساب، أما النمط الثاني فهو القارئ الذي تعجب منه لسطحية فهمه وضحالة ثقافته وجهله لابسط الأشياء، وهذا نمط تعاينه بين حين واخر وتجده يناقش عنوان المقالة وهو لم يقرأ مضمونها، ويبني مواقفه على شيء لم يقرأه أو يفهمه، وينساق خلف جاهل او حاقد او موتور او مفتر لاهمّ له غير تسويق مرضه ونرجسيته وحاله لايتجاوز قول العقاد:" إن الجاهل أعدى لأمته من أعدى أعدائها، وما نكب الإسلام كما نكب من أبنائه الجاهلين"، ولاحتى قول الشاعر الجاهلي:" ألا لايجهلن أحد علينا..فنجهل فوق جهل الجاهلينا".

المتابع لحال القراء يشعر أحيانا بالألم امام هجمات بعضهم على كتّاب لم يتناولوا في كتاباتهم ما يتداولونه على مواقع التواصل الاجتماعي، ويصدم لحجم السخط الذي تقوده فئة منهم يتفاخرون بصناعة البلبلة والكذب والنفاق والكبرياء والشعوذة والكسل والبطالة والتسول والأمية والحقد والسخرية والتباغض وقلة القراءة، بل تجدهم سعداء بمن يكذب عليهم ويداعبهم بمعسول الكلام، وعندما تسمعهم تصدم وتصاب بالذهول، وحال بعضهم ينطبق عليه قول الفنان الفرنسي بوفيه: "كلما كان الفنان جاهلاً اعتبروه رائداً". وما دفعني أيضا لهذه المقالة غياب تأثير القارئ الجاد وسيادة رأي سطحية الفهم التي نراها تتجذر بين الجهلاء والمدّعين وأصحاب الفكر المريض، وللأسف تتسع رقعهم وتسود بينهم ثقافة التخلف والجهل والريبة، حينها قلت في نفسي: إنّ خطر الجهل في مناحي الحياة يهدد أمن المجتمع ومستقبله، فهل يعيش الناس عصر الانحطاط الثقافي والإرهاب الفكري؟ وهل أصبحت الثقافة الرخيصة التي تشبع الغرائز هي أساس ثقافة المجتمع، وعن أي تغيير تتحدث المنابر والمحاضرات والمقالات والندوات في ظل أذواق متباينة تتجه الى الاستهلاك والتسلية، ولماذا لم يعد ذلك الاهتمام بالإبداع الذي يضمن استقرار المجتمع ورقيه، ألان الطبقة الوسطى ذابت في الطبقة الكادحة، أم لأن وسائل البهرجة والإعلان والنمطية هي المسؤولة عن المشكلات التي تعانيها الثقافة الحقة، أم ان وسائل التواصل الجديدة بجيوشها الالكترونية الفاتحة هي السبب في انتشار الغث والصور السلبية في حياة المجتمع، أم أن التحرر من كل شيء والانفتاح بلاحدود هي السبب في غياب القيم؟ ولاننسى المنظورالتجاري الذي أفضى الى العبث والنفاق وانهيارالثقة، وغدت الصدفة والجهل أساس الشهرة. ولماذا نحارب الجهل بمزيد من الجهل؟إذ يناصب العداء لمن يقرأ ويكتب؛ وكأن أمة اقرأ أمة لا تقرأ؟ لدينا مئات الفضائيات والجامعات ووسائل المعرفة غير أننا فشلنا في محاربة الجهل الذي يتفشى كالسرطان في المجتمع!

المجتمع يعيش هموما كثيرة، ولابد من تحرك جماعي لمحاربة الجهل والفكر المأزوم والإرهاب الثقافي والأفكار التي تستهتر بقيمه حتى تعود الحياة إلى أوصاله حيث يحتاج حوارًا مستمراً في منظومة الاخلاق والقيم والمعرفة والتنمية الشاملة، ولابد من الإصرار على إعادة الحياة إلى طبقته الوسطى، لأنها تملك الوسط المثقف وقنوات الاتصال ووسائل الحوار الفعال بعيداً عن الأحكام المسبقة التي تدفع بالكثيرين إلى النفور والمواقف المضادة التي تستعصي على الفهم وتبرر الأفعال بالتغريب والتطرف والإحباط واليأس، وبالتالي تفضي إلى نمط استهلاكي قائم على التوتر والانفعال والجمود، فهل نفكر بجدٍّ وصدق في هذه الأجيال التي غدت سابحة في فضاء غرائبي لا يمت لواقعه المعيش وظروفه القاسية بأية صلة، أم نترك الحبل على الغارب ونبقى نردد:"ذو العلم يشقى في النعيم بعقله..وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"، وبعد، كيف نحارب الجهل وقلة الفهم؟ وكيف نسيطر على التخلف ونتخلص من الأمية في كل شيء؟ وكيف نتجاوز قلة العقل في زمنٍ تسود فيه ثقافة اللامعنى واللاعقل واللاشيء، فماذا نفعل بمن يملأون الفضاء بالاكاذيب والافكار المريضة، نحتاج الى خلق الوعي، نحتاج لمنابر وطنية حقيقية في الجامعة والمدرسة والإعلام والمسجد تضخ وعيها دون تردد للتخلص من سيطرة الجهل في مفاصل حياة المجتمع.

mohamadq2002@yahoo.com