أبواب - نداء الشناق

ما زلت أتذكر تلك التفاصيل التي عشتها في طفولتي وتلك الأوجاع التي لم أنسها، فقد أوجعني تمييز أمي في التعامل بيني وبين أخي الذي يصغرني عاما، لم تكن تعاقبه مثلي رغم فعلنا للأخطاء سويا، ولم ترفض له طلبا أبدا، كان تشتري له أجمل الثياب، وتجلب له أغلى الهدايا رغم أنني كنت متفوقا في دراستي ومهذبا جدا، كان اخي الإبن المدلل لأمي حتى أفسده الدلال ولم يكمل دراسته ومع ذلك لم تكن توبخه مهما تراجع في دروسه .

بهذه الكلمات وصف شادي معاناته من التمييز بينه وبين أخيه ، لكنه مع ذلك كان بارا بأمي،، ولم يسلك نهج التمييز مع أولاده حينما تزوج. ويقول شادي أن :"أساس تربيتي لأبنائي العدل سواء بين الذكور والإناث، دائما أنبه زوجتي باستمرار إلى عدم التفرقة بين الأبناء مهما اختلفوا عن بعضهم فالجميع أبنائي" .

أما "ر،خ " وهي طالبة جامعية رفضت ذكر اسمها خوفا من والدها، تقول أنها تعاني من التمييز في المعاملة من أبيها، فهو يدلل إخواني الذكور عن البنات بحجة الأفكار القديمة، أن البنت لا تحمل اسم عائلتها للأبد كالذكور، وأنها سوف تتزوج وتذهب مع زوجها فأبي تحكمه العادات والتقاليد البالية والمتعصبة البعيدة كل البعد عن الدين والأخلاق .

وتضيف (ر،خ) المساواة والإنصاف أساس التربية السليمة للأبناء وهذا يؤدي إلى شعورهم بالأمان والاطمئنان ويؤدي بالتالي إلى تفوقهم ويبعد عنهم الضغوطات النفسية. وتتابع :"أبي منذ طفولتنا ورغم رفض إخوتي الذكور لهذا التمييز ألا انه مازال يصر على سلوكه، فكان وما زال يميز بيننا في الاهتمام، فهو لا يسمع لآرائنا وأفكارنا وطموحاتنا حتى عندما كنا صغارا كان يلعب مع إخوتي ولا يلعب معنا، حتى أنه في الطعام كان يميزبيننا، يضع كميات كبيرة في أطباق الطعام لإخوتي الذكور أما أنا وأختي كان يضع لنا كميات اقل، حتى عند جلبة لقطع الحلوة كان يعطي الذكور أكثر" .

وتقول :"للأسف، والدي جعل مني إنسانة غير متزنة في تصرفاتي ابحث عن الحنان والاهتمام ولم أجدة في بيتي الذي هو يجب أن يكون نبع الأمان والاهتمام لم اشعر يوما بأنه ابي، وبسبب ذلك حاليا ازور الإرشاد النفسي في جامعتي بسبب اضطراب شخصيتي وعدم الاندماج في المجتمع بسبب الخوف والعزلة التي نشأنا عليها بين أسرتي" .

يقول الوالد جلال طعاني أنه :"في بداية تربيته لأبنائه كان يتبع أسلوب التمييز بين أولاده الذكور دون الإناث ولكنه بعدما لاحظ تراجع دراسة أولاده الذكور وعدم الإصغاء له عاد وعدل بين جميع أبنائه" .

ويضيف طعاني أن :"إبنته الكبرى كانت ضحية التمييز فهي لم تحصل على معدل يدخلها الجامعة على قبول التنافس، فحرمتها التعليم وأخيها الأصغر منها بعام كان نصيبه التعليم الجامعي الخاص رغم مقدرته على التوجه للتعليم الحكومي ".

يقول سالم 25 عاما إن :"أبي تنازل عن جميع ما يملك لإخوتي من الزوجة الثانية وتركنا بلا شيء أنا وأخي من زوجته الأولى، ولم ينظر إلينا بعين العطف والرحمة، بالرغم أن أخي من ذوي الإعاقة " ، مشيرا إلى :"انفصاله عن والدتهم منذ أن كانا أطفالا صغارا ومع ذلك تم ظلمهم بالتفرقة في المعاملة سواء من الناحية المادية والعاطفية "مضيفا أنهم :"لم يشعروا في يوم انه أبيهم ".

ويذكر أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية الدكتور احمد العوايشة أن :"الشريعة الإسلامية في مقاصدها العامة ونصوصها الضابطة تدعو الى عدم التفرقة في المعاملة والى احترام كل من الأنثى والذكر من الأبناء، وان يتساوى الجميع بالعطايا والهدايا وان ينظر للجميع بمحبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب التساوي بينهم حتى بالقبلة فلا يقبل ولدا دون الآخر" .

ويؤكد د. العوايشة أن :"الإسلام عزز النظرة إلى المرأة وأعطاها حقوقها غير منقوصة ومن يفعل غير ذلك يعتبر مخالفا لشرع الله، وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم " لا تكرهوا البنات؛ فإنَّهنَّ المؤنسات الغاليات "

ويتابع د. العوايشة أنه :"لا يجوز التمييز حتى بين الأبناء الذكور سواء في الحقوق المادية أو المعاملة أو العاطفية لأنه يؤدي في نفوسهم إلى الحقد والعداوة والغيرة والحسد فيما بينهم ويجب على الأهل ضبط عواطفهم حتى لو كان هناك محبة لولد دون الآخر يجب أن لا يظهر ذلك أبدا" .

ويبين مستشار الطب النفسي الدكتور وليد السرحان أن:"من الأمور الشائعة في التربية هو أن الأهالي لا يتعاملوا مع كل الأبناء والبنات بالتساوي خصوصا في الأسرة الممتدة، ويكون التمييز مبني على أحد الأسباب التالية: تمييز الابن الأكبر، أو الابن الأصغر أو الأولاد عن البنات أو الأطفال الأكثر تفاعلاً وذكاء، كذلك التمييز بين الأطفال حسب المشاعر، والأطفال حسب الشكل ومن يشبه الأب أو الأم أو الخال والعم....".

ويؤكد د. السرحان أن الطفل يشعر بالتمييز بالمعاملة في سن مبكرة، وقد يؤدي لأثار سلبية فورية مثل اضطراب السلوك أو العواطف نحو الأسرة ونحو الأم أو الأخ المفضل عليه، وقد يظهر منه عدوانية، وهذا قد يؤدي إلى خلل في بناء شخصية الطفل يمتد إلى سنوات طويلة قادمة، وإذا كان التفريق بسيطا وعابرا قد لا يترك أثرا أما التفريق الواضح والمستمر لابد أن يترك أثرا سلبيا في التوازن النفسي للإنسان، وباعتقادي أنه لابد من انتباه الأهل لمثل هذه الأمور وعدم الاستمرار فيها. ويشير د. السرحان إلى المبادئ الأساسية في التربية المساواة في التعامل مع الأبناء ويستمر هذا بعد تعدي سن الطفولة إلى المراهقة وما بعدها أيضاً.