أبواب – وليد سليمان

بالرجوع قديماً الى فترة الاربعينيات والخمسينيات.. فقد كان من ضمن عناصرالحياة الثقافية والاجتماعية والترفيهية بمدينة عمان، هو حضور الافلام في دور السينما كعادة اجتماعية مرغوبة للأفراد وللعائلات ، في دور العرض السينمائية، التي انتشرت بشكل كبير في وسط البلد.

فقد كانت مشاهدة الأفلام في دور السينما، طقساً جميلاً يستعد له الناس وينتظرونه بفارغ الصبر، كأن تحضر العائلة بجميع أفرادها، حفلة سينمائية كل أسبوع تقريباً في أيام الخميس أو الجمعة.

لذلك انتشرت صالات السينما واستقطبت الآلاف بشكل يومي، وأكثر من ذلك عند نهاية الاسبوع ، وتركزت في أكثر المناطق ذات الكثافة السكانية، وشهدت تنافساً حاداً في نوعية الأفلام.

في عمان وسط البلد، مقابل البريد المركزي القديم يقع درج مكتبة الاستقلال الشهير، حيث عند صعودك حتى نهاية الدرج للوصول للشارع العلوي في جبل عمان، سوف تلاحظ على يمينك بعدة أمتار مدخل مسرح البلد، الذي تأسس في هذا المبنى القديم والضخم منذ العام 2005 وحتى منتصف هذا العام 2018!!.

سينما الأردن بين البلد وجبل عمان

فقد عُرف هذا المبنى " مسرح البلد " قديماً منذ بداية الخمسينيات بدار سينما الأردن لفترة طويلة.

والذي أسس دار السينما هذه هو " محمود ابو قورة " على سفح جبل عمان المقابل لسينما الخيام في جبل اللويبدة.

واذكر شخصياً اننا ذهبنا منتصف الستينيات في رحلة مدرسية مشياً على الاقدام من مدرستنا الاشرفية في شارع المصدار الى سينما الاردن لحضور الفيلم الوطني الشهير "جميلة الجزائرية " بطولة ماجدة ورشدي اباظة. ثم شاهدنا فيما بعد العديد من الافلام فيها في ايام الاعياد وغيرها من الايام مثل الفيلم الاجنبي الشهير" سبارتاكوس " محررالعبيد الذي مثَّل فيه الفنان العربي احمد رمزي.

وفي داخل مبنى هذه السينما كانت تتواجد بجانبها سينما اخرى صغيرة شعبية هي "سينما استوديو الاردن" و كانت تعرض فيلمين بتذكرة واحدة.

وبالاعتماد على كتاب الباحث فؤاد البخاري ( عمان ذاكرة الزمن الجميل ) جاء فيه : " قبل ان يشتري محمود ابو قورة دار سينما الخيام، كان ابو قورة قد أنشأ عام 1951 داراً للسينما في نهاية الدرج المقابل للبريد المركزي سماها سينما الاردن, وجعل لها صالة واسعة للعائلات.

ويبدو أنه كان يريد منافسة سينما الفيومي" الخيام " المقابلة له, والتي امتلكها فيما بعد. فاختار موعد الافتتاح لهذه السينما في العيد, كما اختار للافتتاح فيلم نجمة الاستعراض نعيمة عاكف (بلدي وخفة) فكان اختياره ناجحاً بصورة كاسحة.

لكن النجاح الهائل في البداية لم يستمر في العروض كلها, فكنت تجد عرضاً قوياً جداً وآخر عادياً أو دون المستوى!! ومن أهم ما عرضته هذه الداركذلك فيلم «شاطئ الغرام» للمطربة ليلى مراد وحسين صدقي, ثم «غزل البنات» لليلى مراد ونجيب الريحاني وأنور وجدي, وعندما يظهر في الفيلم عبد الوهاب وهو يغني «ليالي عاشق الروح!! كانت تهب عواصف التصفيق من جمهور الحضورفي صالة سينما الاردن.

وفي العام 1955 عرضت الدار فيلم «فتاة السيرك» لنعيمة عاكف وابراهيم حمودة وشكوكو, فلقي اقبالاً هائلاً, وفي العام 1955 عرضت الدار فيلم «قصة حبي» للمطرب فريد الاطرش ومعه ايمان وبرلنتي عبد الحميد وسراج منير.

أما الافلام الاجنبية فكان معظمها بريطانياً وأهمها (البحيرة الزرقاء) بطولة جين سنمونز وستيوارت جرانجر, وقد أوقفت الدار عروضها في أوائل السبعينات ثم تم تأجيرها لآخرين،وعادت ضمن نظام العرض المستمر.

أما السينما الصغيرة الملحقة بها وهي سينما ستوديو الاردن فقد أنشئت أيضاً عام 1951 وتم تخصيصها لعرض الافلام الاجنبية المقتبسة عن روايات عالمية، ومن أهم ما عرضته فيلم (هاملت) الشهير وهو مأخوذ عن احدى مسرحيات شكسبير, وقد لقي اقبالاً كبيراً خصوصا بين الطلاب والمثقفين.

سينما فرساي وغازي هواش

وفي فترة السبعينيات توقفت سينما الاردن عن العمل لفترات، حتى أراد الفنان الممثل السينمائي الشهير "غازي هواش" إحياء هذه الدار مرة أخرى فقام بإستئجارها لعروض الافلام كل فلمين بتذكرة كسينما شعبية وأطلق عليها اسم ( سينما فرساي ).

وأخيراً أقفلت الدار أبوابها بعد تراجع الاقبال على عروضها بسبب ارتفاع أسعار التذاكر ولظروف عالمية مثل انتشار أجهزة الفيديوهات واقراص السي دي و الفضائيات، الذي حدَّ من الاقبال على إرتياد دور السينما بشكل عام في الاردن وفي كل أنحاء العالم على الأعم !.

ومن الافلام التي عُرضت فيها أيام غازي هواش كان فيلم (رجل من الأردن( من إنتاجه عام 1982, وتم تصويرهذا الفيلم ما بين تركيا والأردن, حيث كان فيه كذلك النجم التركي جانيت أركن, ونجح عرض الفيلم السينمائي هذا في دور العرض في تركيا.

وفي عمان تم عرضه في سينما فرساي لمدة تقل من شهر!! حيث لم يكن عليه الإقبال الجماهيري!! وكانت قصة الفيلم تدورحول سفير أردني في تركيا (الذي مثل شخصيته الاعلامي الاردني د. هشام الدباغ) الذي تُخطف ابنته وتطلب العصابة فدية عنها، لأن والدها سفير وثري جداً! إنه فيلم أُعتمد فيه على المغامرات والأكشن والتشويق.

رائد عصفور و مسرح البلد

وبعد ان اختفت سينما فرساي من هذا المبنى الذي كان يُسمى بسينما الاردن جاء فنان شاب متحمس " رائد عصفور "ليستأجر هذا المبنى ويرممه ويجعله مكاناً هاماً للفضاءات الفنية من : موسيقية ومسرحية وسينمائية وتشكيلية وحكواتية وندوات ثقافية وتوقيع الكتب، مثلما وقَّع الشاعر محمود درويش عدة دواوين وأشعار في صالة مسرح البلد السينمائية و المسرحية.

ويذكر أن رائد عصفور وهو مخرج وسينوغرافي وهاوٍ للتصوير، كان قد جاءته فكرة افتتاح هذا المكان الثقافي مع مجموعة من الفنانين والناشطين الثقافيين على ترميم سينما الأردن في العام 2005، تحت اسم مسرح البلد.

وقدم "مسرح البلد" وأنتج أكثر من ألف عمل مسرحي وموسيقي وعشرات المهرجانات الفنية، واعتلى خشبته فنانون ومثقفون من كل بقاع الدنيا، وشاهد عروضه أكثر من 100.000 مشاهد، وصار اسم "مسرح البلد" نجماً أردنياً ساطعاً في الأوساط الثقافية العربية، والعالمية.

ويُذكر أن مسرح البلد أقام خلال (13) عاماً مضت، مئات العروض الموسيقية والفنية، وعدداً من المهرجانات السنوية المنتظمة، منها "مهرجان حكايا" الذي استقطب عروضاً حكواتية ومسرحية عربية وأوروبية. و"موسيقى البلد" الذي احتضن فرقاً تنتمي تجاربها إلى الموسيقى البديلة، و"مشروع بلدك لفنون الشارع" الذي تخصّص الرسم الغرافيتي.

بل أعاد وجود " مسرح البلد " في هذه البقعة من المدينة الحياة الثقافية والفنية إليها، وأصبحت مساحة حيوية يرتادها الشباب والشابات، الصغار والكبار، من الأردن والعالم، ليعود "وسط البلد" إلى مكانه الطبيعي من عمان القديمة، بأسواقها ومساحاتها الثقافية وأهلها.

مجلة واو البلد

وفي مشروع ثقافي الاول من نوعه من أجل الاسهام بنشر الاهتمام والمشاركات الثقافية والجماهيرية بكل النشاطات والفعاليات الفنية والابداعية في مدينة عمان فقد ابدعت افكار المسؤولين في هذا المركز التنويري (مسرح البلد) قبل عدة سنوات باصدار مجلة تعريفية، فيها رصد مسبق لكل الانشطة المنوي اقامتها في كل مواقع الابداع الكثيرة في عمان، مع ذكر اليوم والتاريخ والمكان، ونبذة عن هذا النشاط سواء كان معرضاً تشكيلياً أو عروضاً للافلام السينمائية أو حفلات للموسيقى أو اقامة البازارات أو مهرجانات الرقص الشعبي أو الندوات وعروض وحفلات توقيع الكتب الجديدة أو حفلات الغناء أو الأماسي الشعرية.

• وفي تلك المجلة الصغيرة الجذابة الاخراج والصادرة عن مسرح البلد كانت ترصد مسبقاً و تُعرف بأماكن وفعاليات الانشطة الخاصة بأطفال عمان من رسم وتلوين وسرد قصص من الحكواتية ونشاطات المكتبات ومسارح الدمى وأماكن الالعاب وورش العمل ومخيمات الفنون والكشافة والرياضة والاماكن الترفيهية.

وفي هذه المجلة أو الدليل الشهري الثقافي أيضاً معلومات عن كل المراكز والمتاحف والمعارض والمكتبات والانشطة الدائمة للكبار والصغار في كل مناطق عمان.

و سبب تسمية هذه المجلة بِ «واو البلد» لتكون مثل حرف الواو: تحث القراء على التجمع والتناغم والالتزام والخروج معاً للاستمتاع بما تقدمه لنا عمان، من فعاليات ثقافية وفنية تغني الروح وتبعث الأمل في الحياة.

قرار إخلاء مسرح البلد!

ومع صدور قرار قضائي تمّ إخلاء "مسرح البلد" لصالح مالك العمارة، بعد أن رفض تجديد عقد إيجار المبنى الذي أُبرم مع المالك السابق عام 2002 وانتهى في عام 2017.

رغم كل المحاولات لتجديد العقد لضمان استمرارية العمل، وإيفاء المسرح بكافة التزاماته كمستأجرعلى مدار ثلاثة عشر عاماً!! إلا أنها باءت بالفشل!.

ومع إخلاء ‘‘مسرح البلد‘‘ فان التاريخ سيذكر في سجلاته إنهاء حقبة ثقافية هامة من تاريخ عمان الثقافي والفني مع كل الأسف.. رغم ان القائمين على مسرح البلد الفني والثقافي والتنويري يعتزمون البحث عن مكان لآخر في وسط البلد عمان مرة أخرى.