أبواب - زياد عساف

«لولا جارتي لانفقعت مرارتي» ، مثل شعبي دارج يختزل النقلة النوعية في حياتها بفضل جارتها التي ظلت تلمحها وهي لا تبرح نافذة منزلها المطلة على مبنى الإذاعة التونسية في ساحة العملة ، تتابع بقلق و فضول حركة الموظفين والإعلاميين داخل المبنى ، يدفعها لذلك حلم ظل يؤرقها وتسعى لتحقيقه بأن يستمع الناس لأغنياتها عبر هذه الإذاعة يوماً ما ،بعد أن شهد لها الكثيرون بسحر وجمال صوتها .

غنيلي شوي شوي

وجاء اليوم الموعود عندما قررت الجارة إصطحابها للإذاعة بعد أن حددت لها موعداً مع مصطفى أبو شوشة المدير الفني للإذاعة اّنذاك ، نالت القبول و الإستحسان وقتها.

وحظيت بفرصة ثمينة بالوقوف خلف الميكروفون لتصدح بصوتها على الملأ وهي تشدو برائعة أم كلثوم : غنيلي شوي شوي ، وعلى عكس ما تتضمنه هذه الأغنية فلم تتدرج بعدها بالغناء ( شوي .. شوي ) ، إنما انطلقت بسرعة صاروخ محققة نجاحات متتالية في ظل وجود أصوات نسائية بارزة في تونس تلك الفترة أمثال حسيبة وشافية رشدي و فتحية خيري وعليا .

ولأن للشهرة التزامات تفرضها على أي نجم ، كان عليها أن تحظى بلقب فني بعيداً عن الإسم الأصلي، تولى أبو شوشة هذه المهمة و اقترح في البداية لقب صفية هانم تيمناً بإسم الفنانة التركية المشهورة اّنذاك ، ليستقر الأمر في النهاية على إسم الشهرة : صفية الشامية ، هذا الإسم الذي لم يكن مروره عابراً في تاريخ الأغنية التونسية .

إذاعة لبنان ..

الجذور التي يتبع لها الإنسان و الأماكن التي يسكنها و تسكنه يبقى لها تأثيرها الملفت في ثقافة وسلوك الفرد ، ينطبق هذا على صفية الشامية التي تنتسب لعائلة جزائرية من أصل تركي ، وقيدت في سجلات مواليد العاصمة اللبنانية عام 1932 بإسم شريفة بن أحمد قنون، ففي بيروت حيث ولدت وعاشت سنواتها الأولى، ظهرت موهبتها بالغناء وهي لم تتخط الثامنة، في هذا العمر التحقت بكورال الإذاعة اللبنانية التي تأسست عام 1938 و كانت تعرف وقتها بإسم : راديو الشرق، تبنى موهبتها الملحن و عازف العود محيي الدين سلام والد المطربة نجاح سلام ، المؤسس للدائرة الموسيقية في الإذاعة والمشرف على اختيار الأصوات، كان هو أول من رعى موهبتها وعلمها أصول الموسيقى و الأداء، وألحقها في كورال الإذاعة اللبنانية لتصبح من ضمن المرددين الذين يستعان بهم أثناء تسجيل الأغاني في استوديوهات الإذاعة والخاصة بالمطربين المعروفين اّنذاك ، ما أهلها لتغني منفردة خلف الميكروفون بعد ذلك ، وبوقت قصير أصبح لها فقرة إذاعية غنائية تبث أسبوعياً لتحظ بالفرصة الثمينة التي كان يحلم بها الكثيرون .

أصحاب الفضل ..

توافق الوقت الذي استقلت به دولة لبنان عام 1946 مع قرار والدها بالعودة للجزائر موطنه الأصلي ، في البداية كان عليه أن يحط الرحال في تونس ، إلا أن ظروفاً عاكسته إضطرته للبقاء لتصبح تونس هي المقر النهائي للعائلة .

لم تشعر بصقيع الغربة تلك الأيام لحرارة الأستقبال و الإهتمام الذي حظيت به من كبار الفنانين التونسيين ، ومنهم صالح المهدي ، وقدمها بدوره لعازف الكمان والملحن احمد الصباحي الذي تتلمذت على يديه و لحن لها العديد من الأغنيات ، و لم يتوقف التعاون بينهما على الصعيد الفني لتتوج العلاقة بينهما بالزواج وكانت بذلك الأحق في التغني بألحانه .

أصحاب الفضل في مشوارها الفني كثيرون ولم تتوقف عند المهدي و الصباحي ، ففي سهرة تلفزيونية أُعِدَّتْ عن الفنان التونسي علي الرياحي ، لم تنس صفية الحديث عن دوره المؤثر في حياتها الفنية ،ومساعدته لها منذ التحاقها بالإذاعة ، وذكرت في هذا اللقاء أنه أول من قدمها للمسرح ، وغنت معه للجمهور وجهاً لوجه في العديد من الحفلات ، وشاركته بالغناء أيضاً في سهرات الأعراس التي كان يحييها .

يا طير بلادي ..

للنجاح مؤشرات ، أهمها القيمة الفنية و الإبداعية للمؤلفين و الملحنين ممن يدعمون أصحاب المواهب المبشرة و الواعدة ، في الأرشيف الغنائي لصفية الشامية ما يؤكد تقدير أبرز الكتاب و الموسيقيين لصوتها و أدائها ، فمن شعراء الأغاني الذين نظموا لها العديد من الأغنيات : عبد المجيد بن جدو ، محمود بو رقيبة ، احمد خير الدين ، شوقي عبد العال ، عبد السلام النوالي و منجي الساحلي ، كل ما نظمه هؤلاء و غيرهم من اشعار تغنت بها صفية تم صياغتها لحناً على يد أشهر و أهم الموسيقيين الذين نهضوا بالأغنية التونسية ، فبالإضافة لزوجها الموسيقار أحمد الصباحي لحن لها محمد الجموسي و قدور الصرارفي و صالح مهدي و ونَّاس كريم و توفيق الناصر و ابوبكر المولودي و العروس البليدي و علي شلغم ،والقائمة تطول لأن العديد من الأغنيات المؤرشفة بصوتها يقارب ال 600 أغنية حسب ما ذكرته العديد من المصادر .

تميَّز حضورها على المسرح بثقة عالية مردها قدرة صوتها على التشكيل و التعبير الغنائي ، وبرز ذلك بإيصالها للإيقاع الدرامي الذي يفرضه مضمون الكلمات ،ما أهلها للجمع بين التطريب و أداء الأغاني الخفيفة المرحة و السريعة ، بالإضافة للأغاني العاطفية و الرومانسية التي تتطلب شفافية عالية في الأداء .

هذه المقومات التي تمتعت بها جعلتها تخوض غمار الأعمال الغنائية الصعبة التي يتهرب منها أنصاف المواهب هذه الأيام لأنها المحك الرئيسي الذي يكشف قدراتهم ، ومن اهمها الموشحات وقدمت صفية مجموعة منها باقتدار لدرجة أن أُطلق عليها : سيدة الموشحات التونسية ، ومنها : موشح أنا لا أسمع المليم و فيك كل ما أرى حسن ، و غنت من القصائد أيضاً : أيها الحب لأبي القاسم الشابي وقصيدة حرمان و لاعني البعد وشحرورة بين الخمائل تحلم ، وقصيدة ديننية لشهر رمضان بعنوان : أشرق بنورك على الزمان .. و انشر سرورك يا رمضان .

من أغانيها الوطنية :

يا طير بلادي نبغيك

ونضحي بالروح عليك

ارجع لبلادك يهديك

تلقاني نستنى فيك

وتلتها أعمال وطنية أخرى تغنت بها ومنها : مشتاقة لوطني و هذه أرضي و الغربة و يا محلى ريحة تربتنا وما عادش في الوطن بطالة ، ومن أغاني المناسبات الوطنية خصت الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بأغنية : فارس الفرسان .

يا لاعب في قلوب الناس ..

وعلى غرار الأغاني الثنائية التي تميّزت بها السينما المصرية ، شاركت محمد الجموسي الغناء ومن ألحانه في الدويتو الشهير : ما احلى قدك ، بالإضافة لاسكتش فاطمة و حمادة ، و خصت المقبلين على الزواج بأغنية : مبروك عليك يا عروسة ، و لها من نوعية الأغاني التي تقدم بشكل قصة درامية : شباك الورد و على شط المرسى لاقيته .

أغانيها العاطفية تعتبر الأقل من حيث العدد رغم تميُّزها من حيث اللحن و الأداء مثل : يا عجايب و ما نعرف محبوبي اشبيه و يا دم الغالي وبعثت سلامي و مش قادرة أنساك و ترجع الأيام .

” لهلوبة المسرح ” لقب اّخر أطلق على صفية الشامية نظراً لأداءها الأغاني الخفيفة و المرحة بإتقان مع أداء تمثيلي معبِّر على المسرح ، بعيداً عن الجمود الذي أثر سلبياً على العديد من المطربين و المطربات رغم جمال أصواتهم ، أغانيها الخفيفة كانت الأكثر من حيث العدد قياساً بالألون الغنائية الأخرى حتى أصبحت متخصصة في هذا المجال ومنها :

يا لاعب في قلوب الناس قلبي ما تقدرش عليه

نعرف قلبك ما يهواش ما تنجمش تعدي عليه

عيونك تجلب قلبك يكذب العشق يتعب و انت تعذب

بالإضافة للعديد من الأغاني المرحة و الراقصة مثل :

قالولي اسمر ، سيجارو ، يا مثيل عرف الياس ، عميرات نحبك يا عمر ، يا سمرة يا حلوة ، يا معلم بناي ، من حبه قداش نعدي ، اسمعني شوية ، نحبك كيفاش نحبك ، يا اسمر يا جميل ، طل عليا زين و طل ، يا قلبي ما زلت صغيرة ، و يا شباكي و نا دهري رماني و عميرات نحبك يا عمر ، ياللي انت روح الروح ، ما كانش نحسب بالمرة ، اهلا و سهلا و مرحبتين ، تعرفني نعير ، ساعة هنية ، انا جيت طاير ، وحده وحده ، بعيد عليك ، لو تدري بحالي ، مهما غبتي و لا تلوم عليا .

فرص ضائعة ..

يتفق الكثيرون على أن صفية الشامية كانت منافسة لمجموعة من المطربات التونسيات الشهيرات و قتها أمثال حسيبة رشدي و شافية رشدي و فتحية خيري وهن الأسبق في الساحة الغنائية ، ورغم الإتفاق مع هذا الرأي جزئياً إلا أنها لم تستفد من تجربة حسيبة رشدي على سبيل المثال التي وضعت الإعتبار للبعد العربي في انتشار الفنان ، ما حفزها للإستقرار في مصر لمدة عشر سنوات ، وشاركت بأربعة أفلام مصرية بالتمثيل والغناء وكان أداؤها باللهجة البدوية، وقدمت مجموعة من الأغاني البدوية لملحنين مصريين كبار ، ولم تجد صعوبة بتجاوب الجمهور المصري مع هذه الأغاني لأن اللهجة البدوية مفهومة في أغلب البلاد العربية ، ورغم أن صفية أتقنت هذا اللون الغنائي البدوي وقدمت منه مجموعة من الأغاني مثل : يا سايقين العير ، يا راعي الغنم ، يا واردة ع العين و سوق الجمل والناقة ، مع ذلك لم توظف هذه الموهبة و بالتالي فقدت فرصة كبيرة من الممكن أن تحقق لها الشهرة في بلاد عربية عديدة .

تغنت صفية بألحان معظم الموسيقيين التونسيين ، و أغفلت التعاون مع ملحنين عرب على عكس حسيبة التي تعاونت مع ملحنين عرب مشهورين أمثال احمد صدقي و احمد عبد القادر من مصر ، وهذا ما ينطبق على تجربة عليا التونسية بتعاونها مع مجموعة من الملحنين العرب ومنهم : احمد باقر من الكويت ، و رياض البندك من فلسطين ،ومن مصر حلمي بكر ، ما ساهم بتحقيق الشهرة لكليهما ، وهذا مالم تقم به صفية ما ساهم بإبعادها عن الساحة الغنائية العربية واقتصر تعاونها على لحن وحيد بعنوان - انساني لو تقدر - قدمه لها الموسيقار المصري سيد شطا المقيم في تونس أصلاً ، بالإضافة لأغنية - الكبر على الله من الحان اللبناني صابر الصفح والتي سبق وغناها بصوته .

على صعيد المسرح الغنائي لم تستفد صفية من تجربة شافية رشدي التي قدمت العديد من الأعمال المسرحية الغنائية جراء تأثرها بالفنانة المصرية منيرة المهدية ، وفي الوقت الذي قدمت به فتحية خيري العديد من الحفلات من خلال الإذاعة المصرية نظراً لسفرها المتكرر لمصر ، لم تسعى صفية لذلك باستثناء لقاء اذاعي أُجري معها في الإذاعة المصرية عام 1969 ضمن برنامج - تكسي السهرة - وتم تسجيله في تونس وغنت بهذا اللقاء قالولي الأسمر و اسمعني شوية ، أغفلت هذا الجانب رغم تأثرها الواضح بالأغاني المصرية المألوفة و إعادة تسجيلها لمجموعة منها مثل : البوسطجية اشتكوا لرجاء عبده و بتغني لمين ياحمام لفردوس عبد الحميد .

بالله تصبوا هالقهوة ..

يحسب لصفية المتوفية عام 2004 ، مساهمتها بإيصال التراث الغنائي الشامي لتونس ، ويعود ذلك بحكم إنطلاقها من لبنان ما أهلها لإجادة غناء اللون الشامي عموماً مثل الميجانا و العتابا و ع الروزانا ، واستعادتها للعديد من الأغاني اللبنانية الشامية الشهيرة التي غنتها على المسارح و بالإذاعة التونسية أيضاً ومنها : حوِّل يا غنام لنجاح سلام ، و بالله تصبوا هالقهوة لسميرة توفيق والتي لحنها الفنان الأردني جميل العاص .

ع العصفورية

تأثرت صفية الشامية بالمطربة اللبنانية الشحرورة صباح لدرجة التماهي مع صوتها و أدائها ، وهذا مايلمسه المستمع في بعض أغانيها مثل : لا لا مانحبكش و يا اهل التوبة ، و لأن الفنون جنون كما يقال ، كان من الطبيعي الإستماع لألحان تتغنى بمستشفى المجانين أو كما تسمى في لبنان : العصفورية ، التي أصبحت عنوان لواحدة من اجمال أغاني صباح و ارتأت صفية أن تستعيدها بصوتها لدرجة صعوبة التفريق بين صوتيهما ، وهو ما يؤكد ذلك خاصة وهي تؤديها بكامل (قواها العقلية) وعلى طريقة الشحرورة بهذه الكلمات العفوية :

ع العصفورية

وصلني بإيده و ما طل عليي

شفته مقابيلي بإيده بيوميلي

وصار يناديلي

ويقوللي ياللا ياللا

و انا اقوله اسم الله اسم الله

يا حبايب خافوا الله

اّه يا بيي يا بيي !