أبواب-فاتن عبيدات

تشكو أسر عديدة من تعلق الأبناء المراهقين أو الأطفال بأشخاص غير الوالدين ،كالأجداد والأعمام والخالات، والأصدقاء والمعلمين داخل المدرسة مما يزيد من قلق وخوف الأهل من ردة فعل ابنائهم في حال تعرضوا لفقدان من يتعلقون بهم " .

وتبدي أم رامي تذمرها من تعلق :"ابنها البالغ من العمر سبعة عشر عاما بعمه مصعب ،فقد كان يحبه بشغف ،ويرافقه أينما ذهب".

وتتابع كنت سعيدة أن ابني دائما إلى جوار عمه ،ففي هذا العمر يبدأ الاهل بالخوف على ابنائهم من رفقاء السوء ،ولكن رفقته لعمه كانت محل اطمئنان بالنسبة لي" غير أن :"وفاة عمه جعلته يعيش حالة من اليأس والاكتئاب ،وما يزال منذ ثلاث سنين ، لا يذهب لمكان تجمعه فيه ذكريات عاشها مع عمه" .

اما والدة عبير فتقول :"كانت ابنتي متعلقة بمعلمتها كثيرا ،وتخرجان معا ،برفقة مجموعة من الطالبات لتناول الطعام او التسوق او الذهاب الى المراكز الرياضية ". وتضيف :"بدأت ألاحظ تعلق ابنتي بمعلمتها كثيرا من خلال زياراتي المتكررة للمدرسة واعتبرت الامر طبيعيا الى ان هاتفتني المعلمة تشكو تعلق ابنتي الشديد بها ، ،لدرجة لجوئها إلى ضرب مجموعة من الطالبات لمنعهن من الاقتراب او التحدث مع المعلمة" .

وتقول ام عبير :"إنني لم اكن اقضي وقتا طويلا مع ابنتي، مما جعلها تتعلق بمعلمتها كثيرا الآن، وهذا الامر شغلني كثيرا فبدأت بالاهتمام بها كثيرا، نخرج سويا ونتحدث معا الى أن أصبح تعلقها بمعلمتها يتلاشى تدريجيا" .

تختلف سلوكيات الابناء حيال تعلقهم بأشخاص غير والديهم ،فكثيرا منهم يتصرفون بسلبية كالعزوف والصدود عن العائلة والدخول في حالة اكتئاب ،واخرون يتجاوزون هذه المرحلة في حال التحول المفاجئ للمعلق به عن المتعلق .

ويشير دكتور علم الاجتماع فيصل غرايبة الى إن ظاهرة التعلق اجتماعية انسانية طبيعية ،وترتبط بظاهرة اخرى، وهي القدوة الحسنة ،وتتجلى عند الاطفال اكثر من الكبار ،غير ان مجتمع الكبار لا يخلو من هذه الظاهرة التي يتعلق بها الشاب او الفتاة بشخص اخر يكبره بالسن او بالعلم والخبرة وما اشبه ذلك" .

ويدعو الغرايبة الى :"عدم القلق عند ملاحظة تعلق الطفل بطرف من خارج الاسرة ،قد يكون العم ، الخال ،والجد والجدة و المعلم والمعلمة"، مشيرا الى أن :"الأبناء من الجنسين اصبحوا مرتبطين بما يسمى التعلق الالكتروني ،كالتعلق بالمشاهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي او رجال السياسة والعمل العام في جميع انحاء العالم ،وتظهر مثل هذه الحالات باتخاذها قدوة وقد تكون شخصيات تولاها الله منذ زمن بعيد ،ولكننا نقتدي بها من خلال قناعاتنا وافكارنا".

ويؤكد الغرايبة أن :"ظاهرة تعلق الابناء بغير والديهم ينتج عنها عدم استجابة الابناء لوالديهم و

التمرد على تعليمات الوالدين وعدم الاستجابة لهم" .

ويشدد الغرايبة على ضرورة :"لجوء الأسرة الى الاسلوب الرقيق لاعادة الامور الى نصابها للتعامل مع ابنائهم بما لايضر قضية تعلقه بالاخر كالاعمام والاجداد ،باعتبار أن قضية التعلق لا تعتبر مشكلة اسرية او اجتماعية واتاحة الفرصة امام ابنائهم للتعبير عن مشاعرهم الجياشة مما يشوق الابناء للتفاعل مع الاباء والامهات" .

ويشير الغرايبة الى :"الدور الذي تمارسه وسائل الاعلام والتكنولوجيا في شرح قضية التعلق ،وتناول الطرق في معالجتها ودرء سلبياتها لدى الابناء، وكذلك دور المعلمين في المدارس بتخصيص بعض الوقت للحديث عن هذه الظاهرة وخاصة في المراحل الاعدادية ( فترة المراهقة ) لتوجيه الأبناء ونصحهم بعدم الاعتماد على هذا الاسلوب من الصداقة ،بالانصراف إلى الدراسة ،واختيار الاصدقاء من جيلهم يما يتناسب مع تفكيرهم الذهني" .

ويقول المستشار النفسي والتربوي الدكتور عاطف شواشرة إن :"التعلق يحدث بين الصغير والحاضن وتؤدي هذه العلاقة من الناحية الموضوعية الى حدوث التوازن النفسي ،فأياً كان الحاضن سواء الأم او الاب او المربية أوالمعلمة او الاجداد ،وفي هذه العلاقة يحدث شيء من الدفء والشعور بالاطمئنان وتعلقه بهذا الشخص البالغ هو امتداده الطبيعي" .

ويؤكد شواشرة :"التعلق يكون بشكل اّمن إذا لم يؤد الى الانهيار العاطفي على سبيل المثال ،كالتعلق الذي يحدث بانفصال الشخص عن الحاضن ،كتعلق الأبناء بالأجداد والأعمام ،وهناك تعلق غير أّمن يقود إلى الانهيار الكامل في التوازن النفسي لدى المتعلق كوفاة المتعلق به أو هجرته".

ويشدد الشواشرة على الناحية التربوية بقوله إنه :"في حال ابتعاد الوالدين عن ابنائهم وتعلقهم بأشخاص اخرين ،فهذا يولد لدى الابناء فجوة من الناحية العاطفية تجاه الاسرة بسبب وجود بديل مناسب له وبالتالي قد تؤثر مستقبلا على علاقة الشخص المتعلق بأسرته ، وخاصة في فترة المراهقة والشباب مما بزيد الفجوة بين الابناء والابوين" .