2-3

ما كان يجب خصخصة ثروات وطنية كالفوسفات والبوتاس

موضوع الملف النووي الأردني.. ما تم فيه وما استجد، يحتاج إلى توضيح رسمي

أكثر ما يؤثر في نفس وزير الطاقة الأسبق، ثابت الطاهر، أنه لا توجد خطط اقتصادية ملزمة لتعاقب الوزراء. كل من يأت يتجاهل منجزات من سبقوه ويبدأ من جديد.

ولذلك تشكلت في نفوس أصحاب الرأي والرؤية حُفر عميقة من مشاعر الإحباط، وهم يرون كيف أن قضايا جوهرية مثل شراكة القطاعين العام والخاص، لم تنفذ حتى الآن رغم أن تنفيذها كان يمكن أن يجنب الدولة أزمات جوهرية مقلقة كالتي يعاني منها الإقتصاد والدولة الأردنية حالياً.

ثابت الطاهر، بقناعات عززها طيف عريض من المسؤوليات القيادية في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية، جعلت منه رجل دولة لا يفصل بين الإقتصاد والسياسية، ويضيف لهما البُعد الثقافي الذي تجلّى به على مستوى المنطقة عندما تولى مؤسسة شومان الثقافية.

بمثل هذه السوية من الخبرة والرؤية المنزّهّة عن الغرض، فإن أبا عبد الرؤوف وهو يدخل عتبة العقد الثامن، ينعم بالرضى والذاكرة والإحساس المتقد بالمسؤولية، لم يتردد بوضع نظريته الخاصة في موضوع الإكتفاء الذاتي الوطني والنهضة المتجددة، بين يدي رئيس الوزراء د. عمر الرزاز، إنطلاقاً من الحاجة الملحة لمجلس وطني يتشكل من القطاعين الخاص والعام لتعويض ما فات على الإقتصاد الوطني من فرص وإمكانيات كان يمكن أن تجنب البلد أزمة كالتي يعيشها الآن.

يرفض الرجل مقولة أن رجال الأعمال غابوا عن الأزمة الإقتصادية- السياسية الراهنة، ولديه ما يستحق الإستماع في القضايا المحورية التي نبحث لها عن إجابات من داخل الصندوق وخارجه.

مطلوب من الحكومة الجديدة برنامج نهضة جديد يتماشى فيه الإقتصادي مع السياسي، مع الثقافي والاجتماعي... من أي زاوية تنظرون لهذا الموضوع فائق الأهمية؟ ومن أين نبدأ؟

نبدأ من عدم فصل السياسة عن الاقتصاد.. شخصيا لا أستطيع فصلها أبدا. ولو تحدثنا عن الوضع السياسي على مستوى الوطن العربي نرى وبكل أسف عدم انسجام بين بعض الدول مما انعكس علينا اقتصاديا، وأمامنا ما يحدث بدول الجوار وتأثيره اقتصاديا.. في سوريا مثلا هذا الوضع السياسي القائم له علاقة بالوضع الاقتصادي وأثر علينا، لأن السياسة والاقتصاد كما قلت مرتبطان ببعضهما البعض ومن الصعب فصلهما.

أما بالنسبة للثقافة والمثقفين فإنني أتساءل: هل يقوم المثقف بدوره؟..

الثقافة عندنا أو على مستوى الوطن العربي كمفهوم وفكر نجد أنها تتجه نحو اهتمامنا بالعلم دون الإهتمام بالمعرفة وبالخلفية التي أنتجت هذا العلم، أيضا أتساءل بألم وقلق: لماذا سمحنا بالغزو الثقافي أن يجتاحنا ونحن نعلم أن ثقافتنا العربية من أهم وأغنى الثقافات على صعيد العالم.. فأين هم مثقفونا؟.. لا بد من نهضة ثقافية، وسعي متواصل لاتخاذ المسارات التي من شأنها النهوض ثقافيا بما يتوازى مع قدرنا وقيمتنا التاريخية والمعرفية، وهذا دور مهم وأساسي يحتاج إلى معادلة مبدعة سبق وجرى الحديث فيه من خلال عدة ندوات عقدت في مركز شومان.

شراكة القطاعين الخاص والعام تحققت طوعياً وعفوياً في مرحلة تأسيس المملكة وأنجزت مشاريع ريادية كبرى ناجحة لكننا لم نستطع أن نحافظ عليها ونجدها:

لقد أشرت في الحلقة الأولى من هذا اللقاء عن موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأزيد على ماقلته أنه في الستينيات كان لدينا مشاركة في مشاريع مثل البوتاس والفوسفات، وقبل ذلك في عهد الملك المؤسس بقدوم الحاج محمد صبري الطباع من الشام إلى عمان، كان عندنا مشاركة فعلية، وكثيرا ما تحدث الملك عبد الله عن الشراكة بين القطاعين، لكن بكل أسف مفهوم هذه الشراكة تراجع كثيراً، والسبب أولاً: جاءت بعض الحكومات تستأثر باتخاذ القرار ولا تسعى للتشاور مع القطاع الخاص، وإذا تشاورت معه يكون تشاورها بشكل شكلي، "رفع عتب".

الناحية الثانية تتصل بالثروات كالفوسفات والبوتاس، وهنا أذكر موقفا لـ رئيس الحكومة الأسبق مضر بدران عندما تم تخصيص شركة الفوسفات، ضرب على رأسه وقال: "الله لا يسامحهم.. فهذه ثروة أرسلها الله لنا كما أرسل البترول لدول الخليج"..

هذه الثروة يجب أن لا تباع أو نأتي بأناس يشاركوننا فيها.. وللأسف أن موضوع الخصخصة لم تكن خطوة في صالح البلد... من وجهة نظري إذا كنا نقصد بأن نأتي بشركاء كخبرات فنية، كان يجب أن نأتي بهم لمساعدتنا فقط لا أن يشاركوننا فيها.

لذلك أكرر قولي وأركز إذا كان لدينا برنامج وطني اقتصادي فيجب أن تكون هناك شراكة بين القطاعين العام والخاص، وأن يكون لدينا مجلس استشاري يضم ممثلين عن الفعاليات الإقتصادية يجتمع بشكل دوري، ويتخذ به قرارات وتشكل لجنة متابعة. خطؤنا أننا لا نتابع ولا نعود للدراسات التي تمت في الماضي حتى نستفيد منها.

لماذا بتقديركم لم نستطع حتى الآن ان نضع وثيقة عمل عصرية واضحة لشراكة القطاعين اللذين ما زالت علاقتهما ملتبسة بين الشك والتبعية والتجاهل؟

حاولنا كثيراً مع كل الحكومات المتعاقبة، كما وحاولنا عمل شيء حتى داخل القطاع الخاص نفسه.

القطاع الخاص فيه مؤسسات: مثلاً جمعية رجال الأعمال، غرفة صناعة الأردن، غرفة صناعة عمان، غرفة تجارة عمان، غرفة الصادرات..الخ، لقد اقترحنا تشكيل مجلس تنسيقي يضم هذه الجمعيات والمؤسسات جميعها، وتكون الرئاسة بالتنسيق سنوية، بحيث تمثل كل الفعاليات وتكون الشريك الحقيقي للحكومة، إلا أن بعض فعاليات القطاع الخاص لم تتجاوب مع هذا الطرح، لأن كل جهة تريد أن تكون الرئيس، وبنفس الوقت العرض الذي عرضناه على الحكومة هو إيجاد آلية أو تفعيل الشراكة الفعلية، ولغاية الآن لم يلق جواباً... آمل مخلصاً مما لمسناه من حماس د. عمر الرزاز أن يسعى لتفعيل هذه الشراكة بشكل جيد.

أيضا.. لماذا لم يجرؤ رجال الأعمال أن يقتحموا أو يشاركوا في العمل السياسي والعام من زاوية التعددية؟ بمعنى أنهم لم ينجحوا بتشكيل حزب يتبنى نظرية اقتصادية سياسية ويشاركوا في السلطتين التشريعية والتنفيذية تحت هذا العنوان؟

جمعية رجال الأعمال ملتزمة بالنظام الأساسي الذي لا يسمح لها بذلك. النظام الأساسي للجمعية يحدد أهدافها، وهدفها الرئيسي السعي لاستقطاب استثمارات عربية وبلدان صديقة. بالتالي نظامنا الأساسي لا يسمح لنا بتشكيل أحزاب وتنظيمات سياسية.

لكن على مستوى آخر عملنا من خلال اتحاد رجال الأعمال العرب الذي أسس عام 1997 برئاسة الحاج حمدي الطباع، بمبادرة من جمعية رجال الأعمال الأردنيين، وتشرفت بأنني الأمين العام لهذا الإتحاد. من خلال هذا المجلس حاولنا بناء علاقات اقتصادية لها انعكاسات سياسية ودية مع بعض الدول العربية التي تعاملت معنا في إطار هذا المجلس، لكن لم تكن لها الصفة السياسية البحتة، بل علاقات صداقة سياسية من خلال العمل.

قرار التوقف النهائي عن البرنامج النووي، جاء في سياقات الأزمة الاقتصادية الأخيرة الراهنة. لكن هناك من يرى فيه أنه يصححّ توجّهاً كان خاطئاً من الأساس واستخدم معلومات رقمية وتقديرات غير دقيقة عن الإحتياطي الأردني من اليورانيوم، فضلاً عن استثمارات غير مدروسة كفاية:

لقد سبق وشاركت في أكثر من ملتقى حول الطاقة الجديدة والمستجدة في الأردن.. المشروع النووي يعتمد برنامج التوجه في البداية ومنذ عام 2007 إنشاء محطة نووية ضخمة بطاقة 2000 ميغاواط وبأننا سنبدأ منذ عام 2012 بانتاج 2000 طن من اليورانيوم وبيعها في الأسواق العالمية.. الأنباء تحدثت عن مباحثات جرت مع جانب فرنسي ثم مع جانب روسي حول هذا المشروع، وبتاريخ 27/4/2018 نقلت الصحف تصريحاً للدكتور خالد طوقان رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية قال فيه: "إن الهيئة تحولت بشكل نهائي عن فكرة إنشاء المحطة النووية التي كانت تعتزم إنشاؤها بتكنولوجيا روسية بقدرة 2000 ميغاواط، وقررت استبدال الفكرة بإنشاء مفاعلات صغيرة لأنها تحتاج إلى تمويل أقل.. كما أن الاستعداد الدولي لتمويل هذه المفاعلات أكبر من تمويل المحطات الكبيرة.. والسؤال هنا: ألم يكن هذا معروفاً من قبل؟

في مناسبة سابقة كان الدكتور طوقان قال: "إن الهيئة وقعت مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية الصينية لإجراء دراسات جدوى اقتصادية للتكنولوجيا الصينية، ومن ثم دراسة إمكانية التوجه إلى نظام إنشاء BOT- وقال انه لن يتم توقيع أي اتفاقية مع الجانب الصيني إلا بعد تشغيل المفاعل لمدة سنتين. وأضاف إنه في حال توقيع عقد لبناء هذا النوع من المفاعلات التي تصل استطاعة الواحد منها 110 ميجاواط سيتم بناء مفاعلين أو ستة مفاعلات، وأنه تم التوقيع مع مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية المتجددة السعودية والمعهد الكوري لبحوث الطاقة الذرية لدراسة الجدوى الاقتصادية لبناء مفاعلين نويين في الأردن لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه طاقة كل منها 110 ميغاواط، وأن المحطة الكبيرة سوف يتم استبدالها بمفاعلات صغيرة بطاقة 270 ميغاواط، وسيتم بناء عدة مفاعلات في مواقع مختلفة في المملكة.

ثم أعلنت الهيئة أنه تم الإتفاق مع السعودية والصين لإنشاء مفاعل صيني صغير بقدرة 70 ميغاواط وقال د. طوقان أننا قد نعود لإقامة المحطة الكبيرة عام 2029.. بعد كل هذه التصريحات... وبعد كل ما تم في هذا المشروع، فإنني كمواطن أردني أشعر أنني في متاهة. وأرجو مخلصاً أن تولي الحكومة الإهتمام بهذا المشروع وتقدم للمواطنين أيضاحاً حوله وحول تمويله.

كوزير رائد للطاقة والثروة المعدنية في بداية تسعينيات القرن الماضي، ومدير سابق لشركة البترول الوطنية، فإننا نعتقد أنه ما زال الكثيرون حين يلتقونكم يسألونكم بهمس: هل صحيح أن مكامن النفط في الأردن غير تجارية أم أن هناك مؤامرة قديمة لمنع تحويل الأردن إلى دولة نفطية؟... والأمر نفسه بالنسبة للغاز. بدليل أن الشركات الدولية ما زالت تتقدم للمنافسة على عقود التنقيب الجديدة؟.

خلال الفترة التي أمضيتها كوزير للطاقة والثروة المعدنية قمنا بعمل استكشافات وتابعتها بشكل جدي، وكان الرئيس مضر بدران يتابعها بشكل جدي أيضا، وفي إحدى المرات قال دولته أن تقريرا وصله أو قرأه من مصدر فرنسي يتحدث عن وجود نفط في المنطقة الشمالية، فنقلنا إحدى الحفارات للشمال لتحفر المنطقة التي أشار لها التقرير.. بعد عدة زيارات للمناطق قال بأن المنطقة الواعدة هي منطقة البحر الميت.

عندما ترأست مجلس إدارة شركة البترول الوطنية تعاقدنا مع شركة أميركية، حفرت في منطقة البحر الميت، ووصلنا إلى عمق 3200 متر، في بداية الأمر والدلائل التي وصلنا اليها بينت أنها عبارة عن مؤشرات لا ترقى إلى نتائج تجارية.

قناعاتك؟

إذا أردت سماع رأي الجيولوجيين فهم يقولون بأن التركيب الجيولوجي للأردن يختلف كلياً عن التركيب الجيولوجي عن الدول النفطية الأخرى، لكن بعض الأحيان يقال إنه تم إيجاد البترول في السعودية وفي سوريا وفي لبنان مؤخراً فلماذا لا يكون لدينا بترول؟ التساؤل يبقى قائماً وحق المواطن أن يسأل هذا السؤال، لكن لا أستطيع أن أجزم إن كان هذا صحيحاً أم لا.

استراحة

آخر مرة زرت فيها نابلس؟ بأي انطباع رجعتم من هناك؟

زرتها عام 1973 بسبب وفاة خالي عبد اللطيف وكان وزيرا، وأيضا عمي نصوح استلم حقيبة وزارة الزراعة في الأردن، وهو الذي أسس وزارة الزراعة... عندما زرت نابلس عام 1973 تألمت جدا، فالتفتيش كان مهيناً، وكان سبباً بعدم عودتي ثانية.

ما هي المناسبات التي لم تفارق ذاكرتك العاطفية؟

زواج إبننا عبد الرؤوف، ومن ثم وجود الأحفاد بيننا، أمر يسعدنا جدا.

أما أكثر ما آلمني فهي المرة الأخيرة التي قابلت فيها والدي–يرحمه الله- كانت قبل ذهابي إلى الكلية في عطلة نصف الفصل. حينما ودعته وضع يديّه على كتفي وبدأ بالبكاء، فقلت له: ما الذي أبكاك أنا ذاهب إلى الكلية وليس إلى الحربية، فقال لي: " أنا لست خائفاً عليك، وأوصاني الإهتمام بشقيقاتي وأشقائي.. وما زلت كلما أتذكر الموقف وما وصاني به أشعر بحنين فتدمع عينيّ.