د. أمينة منصور الحطاب

أيام قليلة تفصلنا عن موعد إعلان نتائج الثانوية العامة التي ينتظرها طلبتنا بفارغ الصبر، وعيونهم ترقب الفرح بنتيجة تكلل جدهم واجتهادهم لسنوات مضت، وقلوبهم ترجو الأمل بمستقبل يحمل في طياته النجاح والتقدم والازدهار، وعقولهم تحسب حساب الاخفاق قبل النجاح فنحن مجتمع لا يقبل الخطأ ويرفض الفشل مهما كان السبب وينسى أن خطأ المتعلم يعني أنه يبذل جهدا للتعلم وأنه يقوم بمحاولات جادة لكنه يحتاج إلى تدخل المعنيين الذين يبرز دورهم بالاعتراف بحق المتعلم في الخطأ وتوجيهه في ظل استراتيجية مضبوطة للتعليم والتعلم.

يمكن تعريف الخطأ على أنه خطة ( تصور ومنهج ) بيداغوجية تقوم على اعتبار الخطأ استراتيجية للتعليم والتعلم، وتفترض وجود صعوبات تواجه المتعلم أثناء القيام بتطبيق التعليمات المعطاة له ضمن نشاط تعليمي معين، وهذه الصعوبات ترجع إلى كون المسار الذي يقطعه المتعلم لاكتساب المعرفة أو بنائها من خلال بحثه يمكن أن تتخلله بعض الأخطاء، وتركز بيداغوجيا الخطأ على ضرورة اعتبار الخطأ أمر طبيعي وإيجابي ويجب أخذه بعين الاعتبار أثناء إعداد الدروس، وتجدر الإشارة إلى أن معظم النظريات التربوية اهتمت بهذا المفهوم ومنها: النظرية الجشتالطية والبنائية والسلوكية.

وهكذا نجد أنفسنا أمام ضرورة تعريف الخطأ الذي غالبا ما ينظر إليه بشكل سلبي أو كغلط ينبغي معاقبته قصد إزالته وهذا التصور يتماشى مع النظرية السلوكية التي ترفض الخطأ، أما معجم لالاند فيذهب إلى أن الخطأ "هو حالة ذهنية أو فعل عقلي يَعْتَبر الصواب خطأ والخطأ صوابا "، ومن المنظور البيداغوجي يحدد الخطأ على أنه" قصور لدى المتعلم في فهم أو استيعاب التعليمات المعطاة له من المعلمين ينتج عنه إعطاء معرفة لا تنسجم مع معايير القبول المرتقبة "، والخطأ بالنسبة لباشلار- فيلسوف فرنسي قدمَ أفكارا متميزة في مجال الابستمولوجيا–ليس مجرد محاولة أو تعثر بل هو ظاهرة بيداغوجية تمثل نقطة انطلاق المعرفة، لأن المعرفة لا تبدأ من الصفر بل تمر بمجموعة من المحاولات الخاطئة.

يقول باشلار: " لا تحدت المعرفة إلا ضد معرفة سابقة لها " ومعناه أن التعلم لا يحدث إلا إذا انطلق من معارف

سابقة عبر تصحيحها وبناء معرفة جديدة قد تكون بدورها أساسَا لمعرفة أخرى وهكذا دواليك لتصبح المدرسة بهذا المعنى فضاء لارتكاب الأخطاء دون عواقب، و تساهم بيداغوجيا الخطأ باعتبارها استراتيجية للتعلم في تشجيع المتعلم على طرح الأسئلة الجريئة التي يراها ملائمة وعلى صياغة الفرضيات والتساؤلات التي تشغل باله حتى تلك التي تظهر غبية، ويصبح المعلم في هذه البيداغوجيا داعمَا للمتعلم على تصحيح أخطائه وتمثلاته لا لمراقبته وتصيد أخطائه.

إن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن أن نستفيد من الخطأ و ندمجه في التعليم ؟ وهذا يقودنا لما اتفق عليه المنظرون في هذا الباب وهو ضرورة اعتبار الخطأ أمرا عاديا ومفيدا لا أمرا مذموما وغريبا عن التعلم بل منهم من ركز على اعتباره نقطة انطلاق التعلم مع مراعاة عدم جعل المتعلم يشعر بأي ذنب وهو يخطئ.

وتستند معالجة الخطأ إلى مبادئ علم النفس التكويني ومباحث الإيبستمولوجيا التي أنجزها باشلار فهي تدرج تدخلات المعلم في سيرورة المحاولة والخطأ، حيث لا يقصى الخطأ وإنما يعتبر فعلا يترجم نقطة انطلاق التجربة المعرفية، ولكي يصبح الخطأ فرصة لبناء التعلم لابد من الاعتراف بحق المتعلم في ارتكابه، وتحديد الخطأ بدقة ثم وضع فرضيات تفسيرية له والانطلاق منه لبناء المعرفة العلمية الجديدة من خلال تنويع الممارسات البيداغوجية بالصف.

إن الدراسات والبحوث في هذا المجال تؤكد على أن الأخطاء التي يرتكبها المتعلم ليست ناتجة فقط عما هو بيداغوجي أو ديداكتيكي أو تعاقدي، بل إنها قد تكون راجعة لتمثلات المتعلم التي قد تشكل عوائق أمام اكتساب معرفة عملية جديدة مع التأكيد على أن الأخطاء التي يرتكبها المتعلم في تعلمه تشكل جزءا من تاريخه الشخصي.

ولا يخفى علينا أن معرفة الأخطاء و تحليلها لا يمكن أن تتحقق إلا بفعل التقويم الذي يعد أمرا ضروريا في قياس مستوى التحصيل عند المتعلمين خاصة ما ارتبط منها بالتحصيل وبناء المفهوم، ويبقى الهدف الأساسي هو أن يعمل المعلم جاهدا على تصحيح التمثلات الخاطئة وتعويضها بمعرفة صحيحة حسب مختلف مراحل النمو العقلي ووتيرة التعلم لدى المتعلم، و بتعبير آخر فالتقويم (بمختلف أنواعه) يعني رصد الأخطاء ورصد الأخطاء معناه الحاجة إلى التقويم.

ولرصد الأخطاء ودمجها في العملية التربوية فإن بيداغوجيا الخطأ تؤكد على إلى اتباع منهجية علمية دقيقة يمكن تلخيص خطواتها في: تشخيص الخطأ ورصده بالاعتماد على عملية الملاحظة والرصد، وإشعار المتعلم بحدوث خطأ؛ وهنا لا ينبغي إغفال الخطأ والتنكر له واتخاذ موقف سلبي منه بل لابد من الرفق بالمتعلم المخطئ والالتزام بحقه في الوقوع في الخطأ، ثم تصنيف الخطأ وعلى سبيل المثال يمكن تصنيف الخطأ في اللغة العربية إلى: خطأ إملائي – خطأ نحوي – خطأ تعبيري ...، وتفسير أسباب الخطأ التي دفعت المتعلم إلى ارتكابه وأخيراً معالجة الخطأ وعلى المعلم أن يظل يقظًا حتى يساعد المتعلمين على التخلص من الأخطاء والأفضل أن يكون المتعلم هو من يصحح خطأه.

ويمكن تصنيف الخطأ إلى عدة أنواع لكن أهمها: الخطأ العائد إلى المعرفة ؛ ويتعلق بالمعرفة الواجب تعلمها، فالمتعلم قد يجد نفسه أمام مهمة لا تتلاءم مع ميولاته أو قد تتجاوز مستواه الذهني أو نتيجة سوء فهم لما هو مطلوب ...، والخطأ العائد إلى المعلم؛ كاختيار طرق تدريس غير ملائمة أو استراتيجيات تعلم غير مجدية أو اتباع نسق سريع للتعليم أو اختيار غير مناسب للأنشطة أو عدم تنويع الطرائق و الوسائل أو عدم القدرة على التواصل الفعال أو تبني تصور سلبي للمتعلم ...؛ الخطأ العائد إلى المتعلم ؛ من قبيل نظرة المتعلم للمعرفة أو قلة الانتباه لديه أو عدم القدرة على التواصل أو المرض أو وجوده في حالة اجتماعية متوترة ...

يقول إدغار مورن: إن المعرفة تتم من خلال الإدراك وإعادة بناء الواقع بواسطة الحواس التي غالبا ما تخدعنا فالوهم – في نظره – يتربص بنا في كل تحركاتنا فما نعتقد اليوم حقيقة نكتشف زيفه في المستقبل، إن حقائق الماضي هي أخطاء المستقبل ومنه ينطلق التعليم في تفهم أخطاء المتعلم واستثمارها للوصول للمعرفة.

Ameeneh@live.com