أبواب -شذى المبيضين * باحثة في علم النفس

عند إجرائك مقابلة عمل مع من تقدموا إلى وظيفةٍ ما، فإنك ستهتم بأن تُكوّن انطباعًا بسيطًا عن المتقدم للوظيفة ليساعدك ذلك في اتخاذ قرارك باختيار الموظف الأجدر والأكفأ، كذلك الحال عند المتقدِم للوظيفة . وفي حياتنا اليومية الاعتيادية نحن نكوِّن انطباعات أولية عن الآخرين ممن نلتقي بهم أو حتى من نعرفهم ولا نلتقي بهم.

إن الانطباع الذي تكوِنه عن الآخرين هوغالبا الصفات التي ظهرت في سلوكهم، ومحاولة فهمنا لسلوك الآخرهي محاولة تلقائية نأخذ من خلالها انطباعا بسيطا، فما ندركه ونراه في سلوك الآخر ( أكان سلوكاً جيدا أم سيئا بوجهة نظرنا) يساعد على التنبؤ بسلوكهم مستقبلاً ويؤثر على طبيعة علاقتنا معهم.

وفي تجربة سولومون آش Solomon Asch - عالم النفس الأمريكي - عرض على المشاركين في التجربة مجموعة من الصفات مثل : ذكي، ماهر، نشيط، دافئ، منتج، حذر. ولاحظ أن هناك صفات أساسية وأخرى هامشية تؤثر على تكوين الانطباع حيث أن صفة "دافئ "warmth كانت صفة أساسية قد أثرت على الانطباع العام عندما استبدلت بصفة "بارد" أما عند تغيير صفات أخرى مثل حاد أو مهذب لم يغير الصورة العامة أو الانطباع العام.

في الواقع أن الانطباع الأول له تأثير كبير على علاقاتنا مع الآخرين وتحديد صداقاتنا مستقبلا، حيث بينت تجربة آش أن الصفات الموجودة في أول القائمة كان لها تـأثير أكبر من الصفات الموجودة في آخرها في تكوين الصورة العامة عن الآخر، فالمجموعة التي عُرضَت عليها الصفات الإيجابية في بداية القائمة والسلبية في آخرها أخذوا انطباعا إيجابيا عن ذلك الشخص، والعكس عندما وضعت الصفات السلبية في أول القائمة كان انطباع المجموعة عن الشخص سلبيا.

فمثلا عندما تلتقي بشخص كسول وعابس لا ينصت لحديثك قد لا تفضل التحدث إليه مرة أخرى بعد تكرار هذا السلوك وإن أنصت وأظهر اهتماما لحديثك لاحقا، أما عندما يكون الانطباع الأول إيجابيا نحاول إدراك المعلومات أو الصفات التي نلاحظها لاحقا بطريقة تناسب انطباعاتنا الأولية الإيجابية وهذا ما يسمى بأثر الهالة، فالشخص نفسه الذي وصفناه بأنه عابسٌ لا ينصت للحديث، إذا كان مبتسما مُرحِبا عند اللقاء الأول ولاحظت لاحقا بأنه يتجاهل حديثك غالبا لن تتغير الصورة العامة التي كونتها عنه عند لقائك الأول والذي يحملُ صورة إيجابية.

أما عن معرفة أسباب سلوك الآخرين فإننا نحدد ما إذا كان السلوك ناتجاً عن نمط شخصية الفرد ومزاجه واتجاهاته أو على الموقف وتأثير البيئة المحيطة، ويقول علماء آخرون بأن التركيز على مدى انسجام سلوك الفرد مع نمط شخصيته واتجاهاته يساعدنا في تفسير سبب السلوك، إضافة إلى أن السلوك غير المقبول اجتماعيا غالبا ما ينتج عن أسباب ذاتية داخلية.

وقد تم التركيز على العمليات المعرفية التي تفسر ما نراه ونسمعه، فما نلاحظه هو ما يقوله ويفعله الآخرون وقد لا يكفي ذلك لتفسير أسباب سلوكهم، ووجود ما نجهله أو نتجاهله أو نغفل عنه أو عدم وجود الدافع للاستنتاج، قد يقودنا إلى خطأ في التفسير.

وهناك دوافع تقودنا إلى خطأ في التفسير كالحالات التي نتحيز فيها لذاتنا فنعزو مشكلاتنا وإخفاقنا إلى عوامل خارجية من أجل حفظ تقدير الذات وتعزيزها. فتعرضنا إلى مشكلة ما أوإخفاقنا نعزوه إلى تقصير الآخرين أو الظروف المحيطة ، أما نجاحنا فراجع إلى اجتهادنا وذكائنا أي بعوامل داخلية فنعزوه إلى أنفسنا، وقد يؤثر ذلك على انطباعاتنا عن الآخرين.

وتصنيف الأشخاص في فئات تبعا لعرقهم أو مظهرهم أو وظيفتهم أوغير ذلك يقودنا أحيانا إلى الحكم عليهم وتفسير سلوكهم تبعا للصورة النمطية الموجودة لدينا عن هذه الفئة والتي قد تحمل تفسيرات غير موضوعية ، إلا أننا نسعى أحيانا إلى إعطاء انطباع نرغب بأن يكونه الآخرون عنّا لتصنيفنا في فئة معينة مثل المظهر أواللباس. كذلك عندما ندرك جزءا بسيطا من مجموعة الصفات والمعلومات عن الآخر قد نعمل على إكمالها بصفات ومعاني موجودة في أذهاننا لتكتمل الصورة دون معرفة دقتها وصحتها.

بعض الملاحظات البسيطة في تكوين الانطباعات والتي تحدث بتلقائية وسهولة قد تخبرنا الكثير، وبعضها قد لا يحمل الدقة أو يحتاج إلى تفسير، لكن فهم الآخرين هي محاولة يسعى لها الإنسان دوما.