لا يرقى إعلان الرئيس الأميركي استعداده الاجتماع بالقيادة الإيرانية بدون شروط مُسبَقة، إلى مرتبة "القُنبلة المدوِية" إلاّ إذا اعتبرناها قنبلة محض"صوتِيّة"، أو ارتقت الى"وعدٍ"بالعودة عن قرار الإنسحاب من الإتفاق النووي.. فالعلاقات بين طهران وواشنطن تكاد تصل الى نقطة اللاعودة,رغم الحرص الايراني المعروف بعدم قطع "الشعرَة" مع أي دولة، حفظاً لخط الرجعة وعدم الإنزلاق لقطيعة قد تُفضي لعواقب وخيمة. وهو ما تدركه إيران منذ أربعة عقود مضت على ثورتها، وإعلان معظم دول الإقليم حذَرَها منها (اقرأ عداءَها لها),فضلاً عن الحرب"البارِدة"التي شنّتها الإدارات الأميركية المتعاقِبة عليها بدرجات متفاوتة، لكنها لم تصل لمرحلة التهديد بالحرب"الساخِنة",على النحو الذي يُكرِّره اركان ادارة ترمب هذه الأيام, وخصوصاً الشروط الـ"12" التي اعلنها رئيس الدبلوماسية الأميركية بومبيو،المطلوب من طهران تنفيذها قبل الدخول في اي حوار معها. كان هذا بالطبع قبل(وبعد) الاعلان المفاجِئ لترمب, عن استعداده للإلتقاء بـ"أي شخص", كونه "مُؤمِناً بالاجتماعات ,خاصة في الحالات التي يكون فيها خطر الحرب قائماً",(مُؤكِداً) عدم وجود شروط مُسبَقة.

وإذا كانت الحروب الساخنة تبدأ كما هو معروف بـ"الكلام"والتصريحات الإستفزازية, فان واشنطن وطهران دخَلَتا هذه الأجواء.. قبل وبعد انسحاب ترمب من اتفاقية العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي), والتي وصلت ذروتها (الحرب الكلامية) في تحذير الرئيس الإيراني حسن روحاني... ترمب، بعدم"اللعب بذيل الأسد"، فيما جاء رد ترمب كالعادة هائِجاً وغير منضبط واستعلائي، تفوح منه رائحة الغطرسة والاستكبار. فإن ترمب لا يُقدِّم تنازلاً في واقع الحال,عندما يُبدي استعداده"الكلامي"هذا،كونه يضع ايران في موقف بلاخيارات, سوى رفض عرض مسموم كهذا,ستظهَر فيه(إن قَبِلَت ولا يبدو انها ستقبَل) وكأنها تأتي زاحفة على يديها, وهو"ترمب" كان صرّح بذلك اكثر من مرة, عندما قال"اننا سنكون في انتظار طهران,اذا ما أرادت الحوار معنا على (اتفاق جديد) تبدو فرصته متاحة".

لم يتأخّر رد إيران على "العرض",وبدت وكأنها غير متفاجِئة, كما هي حال الأوساط الأميركية وبعض العربية, التي ظنّت ان ترمب قد اتّخذ قراره, وانه لن يلجأ إلى النموذج الكوري الشمالي. وان الخيار"العسكري" سيكون الخطوة الأخيرة والمؤكَّدة ـــ كما تمنّى بعض العرب واللوبي الصهيوني في واشنطن, وحكومة العدو الفاشية في تل ابيب ـــ في سلسلة الحروب, التي بدأتها ادارة ترمب على طهران من بوابة الاتفاق النووي.الذي وصَفَه ترمب: بأنه "أسوأ" اتفاق في التاريخ. ثم تدحرجت الأمور الى حرب إعلامية مُركّزة, تُوِجَت (بعد الانسحاب رسمياً من الاتفاق في أيار الماضي) بسلسلة عقوبات,يبدأ تطبيق بعضها بداية آب الجاري, وصولاً إلى اقساها في تشرين الثاني القريب.

المدير السياسي لمكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني.. حميد ابو طالبي,غرّد (والكل يُغرّد هذه الأيام) قائلاً: إن من يريد الحوار ويؤمِن بأنه وسيلة لحل الخلافات،عليه الالتزام بأدوات الحوار الحقيقية.وفي هذا الشأن على ترمب ان يُلبّي المطالب التالية: احترام الإيرانيين، تقليل العِداء والعودة للاتفاق النووي.مُعتبِراً (أبو طالبي)أن تطبيق ذلك سيُسوِّي الطريق المليء بالصخور والعقبات في الوقت الراهن.

ليس ثمّة ما يبعث على"التفاؤل"بإمكانية حصول حوار على أي مستوى سياسي أو دبلوماسي بين الطرفين الأميركي والإيراني, فالهوّة بينهما واسعة وإمكانية التجسير عليها تبدو صعبة حتى لا نقول مستحيلة. وبالتالي"سيزول"سريعاً "قلَق"الذين اصابتهم المفاجأة الترامبية, التي لن تلبث ان تتبدّد,وهي لا تعدو كونها مُناوَرة أو ربما هروباً للأمام, بعد أن ابدت دول"4+1"(باقي الدول المُوقِّعَة على الاتفاق النووي) تمسّكها به, واستعدادها للالتفاف وربما مواجهة التهديدات الأميركية التي تُلَوِح بفرض المزيد من العقوبات, على من"يرفض"الإملاءات الأميركية بمقاطعة إيران والتزام العقوبات"الأميركية"عليها.

في السطر الأخير... من الحكمة عدم الذهاب بعيداً في تحليل أبعاد ومرامي إعلان ترمب,أوالبحث عمّا تستبطنه مفاجآته "الحوارية" هذه، كونها مجرد بالون اختبار. ولا نحسب أن الظروف مواتية لبدء حوار كهذا, بعد أن أمسك "حزب الحرب" في البيت الأبيض والكونغرس بالقرار الأميركي ..داخلياً وخصوصاً خارجياً.والذي سيكون معروفا للجميع, عندما يبدأ الحظر الأميركي على صادرات النفط الإيراني, وتقوم طهران بِترجَمة تهديداتها إغلاق مَضيقَيّ..هرمز وباب المندب.

kharroub@jpf.com.jo