ان التغول الذي تمارسه سلطات الاحتلال الصهيوني ضد المسجد الأقصى والانتهاكات المتكررة في باحات المسجد الحرام أي المحرم على الصهاينة دخوله، قد تجلى بأبشع صوره في الأوقات الأخيرة وهذا يؤشر الى ان هناك مخططا حقيقيا وواقعيا ويترجم على الأرض مرتكز على التهويد الكلي للمدينة المقدسة والانتقال لمرحلة ما بعد الاعتداءات لمرحلة المكتسبات على الأرض أي اعتبار حرمة المسجد الأقصى على الصهاينة هي حرمة على المسلمين فالحكومة الصهيونية ومنذ اتخاذ قرار السماح للوزراء والمسؤولين بانتهاك حرمة هذا المسجد المبارك، والذي أدى لتكرار (الانتهاكات) الممنهجة والمنظمة ضد المسجد الأقصى هي لترسيخ الوجود الصهيوني ، واعتبار ذلك حدثا طبيعيا على قاعدة التدرج في تثبت المكتسب ونعني هنا انه منذ عشرة سنوات عندما اقتحم الإرهابي شارون باحات المسجد قامت انتفاضة فلسطينية وامتدت لمحيطها العربي والإسلامي والعالمي، لأن ذلك كان من المحرمات المطلقة ولكن اليوم وفي ظل الانتهاك الصريح والواضح لكل ثوابت الصراع العربي والصهيوني، نرى ان الوحيد الذي يقف امام هذه الانتهاكات على ارض الواقع هو مقاومة المقدسيين فقط، فكل يوم يشتبك المقدسيون مع الصهاينة والمستوطنين الذين يقتحمون المسجد الأقصى دون غيرهم، فقد أصبحت الانتهاكات حدثا طبيعيا لا يلقى أي مقاومة او حتى شجب او استنكار على المستوى العربي والإسلامي والاردن جزء لا يتجزأ من هذا الرد الباهت، ان هذا الرد لا يتماهى ولا يواكب حجم الدعم الذي قدم الى الأردن وبخاصة فيما يخص الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية وبشكل غير مسبوق ما افرزه مسيحيو الشرق من اجماع كلي من كل الطوائف المسيحية بأن الوصاية الهاشمية هي الحاضنة الحقيقية والراعية المباشرة لمقدساتهم في مدينة القدس، وهذا بات جليا بعد الزيارة التي قام بها البطريرك بشاره بطرس (الراعي) الى الأردن والذي يشكل مع المرجعيات المسيحية في مدينة القدس والمرجعيات الأرثوذكسية المتمثلة في الجالية الأرمنية والروسية وكل هؤلاء اجمعوا على الوصاية الهاشمية لهذه المقدسات.

من هنا فهذا التنوع وهذا التوافق غير المسبوق من الطوائف المسيحية وممثليهم ومرجعياتهم يضع الأردن امام استحقاق كبير أي الأردن لا يمكن ان يكتفي بإصدار بيانات الشجب والاستنكار عندما تنتهك حرمة المقدسات في مدينة القدس بشقيها الإسلامي والمسيحي، وكانه احدى دول الجوار والذي لا يملك أي صلاحية او إدارة مباشرة لتلك المقدسات فرغم الاجماع تأتي وزارة الخارجية ببيان باهت لا يطعم من جوع ولا يؤمن من خوف، ان على الحكومة الأردنية ان تتخذ مواقف اكثر تصعيدية واكثر عملية وإجراءات موجعة للكيان الصهيوني تبعث من خلالها رسالة واضحة المعالم بان حماية هذه المقدسات من التوغل الصهيوني الممنهج والمبرر لن يمر دون عقاب ولو بحدوده الدنيا، ونقصد هنا التصعيد السياسي والدبلوماسي في استدعاء السفير الأردني، وتجميد عمل السفارة الصهيونية في عمان حتى تستطيع تلك القوى والطوائف الإسلامية والمسيحية ان تطمئن لتلك الرعاية، وانها لن تخذل المقدسات والشعائر الضاربة بالتاريخ والقائمة على قدسية المسجد الأقصى وحرمة كنيسة القيامة على الانتهاكات الصهيونية ان تكرار الأسطوانة المشروخة بالإدانة والاستنكار وبخاصة من قبل دولة بحجم المملكة ودورها ورسالتها وثوابتها القيمية والتاريخية قد جعل الاحتلال الصهيوني يتغول في تحويل الاجراء الظاهري والشكلي لمكتسب على الأرض أي العودة الى مشروع التقاسم الزماني والمكاني للمقدسات بالقدس الشريف.

هذا المشروع الذي قد رفضه جلالة الملك رفضا قاطعا وعبر عن ذلك جلالته منذ ابد بعيد بان المسجد الأقصى هو مسجد مقدس خاص في المسلمين وحدهم، وان الزمان والمكان يخص المسلمين فقط وان كنيسة القيامة والمقدسات المسيحية هي خاصة بالطوائف المسيحية بغض النظر عن مرجعياتها، هذا بالضبط ما نوه له جلالة الملك عندما كان مشروع التقاسم الزماني والمكاني مطروح بقوة.

ان ما يحصل الان هو إعادة انتاج مستتر وخفي لهذا المشروع، من هنا نقول ان على الدبلوماسية الأردنية ان تقدر مدى خطورة الموقف، وان تخلق آليات جديدة لمقاومة هذا المشروع ودفنه للآبد، وهذا كما اسلفنا يتطلب إجراءات استثنائية وغير مسبوقة في التعامل مع الكيان الصهيوني ورفع سوية الضغط على الكيان الصهيوني من خلال روافع سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة.

انني اركز على هذا الجانب رغم معرفتي الدقيقة بما يمر به الأردن من مرحلة انتقالية بالغة الصعوبة بعد تشكيل الحكومة الجديدة والتي تخوض صراعا عمليا وغير مسبوق في مكافحة رموز الفساد والذي يتطلب جهدا أيضا غير مسبوق لتحصين الجبهة الاقتصادية الداخلية، وصولا للتمكين الديمقراطي ولكن ذلك لا يبرر باي شكل من الاشكال التقاعس عن نصرة الأقصى والمدينة المقدسة والوصاية الهاشمية التي تتعرض لتآكل تدريجي وممنهج للالتفاف عليها تماهيا مع صفقة القرن المشبوهة.

dr.fayez.basbous@hotmail.com