تتسم المجالس واللقاءات الفكرية والثقافية الهادفة إلى وجود فئة من المثقفين والمفكرين الداعمين لبناء ونهضة مجتمعاتهم ومساعدة أبناءها على تجاوز التحديات والمشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أصبحت ظاهرة عالمية تسود كثيراً منها في المجتمعات ومنها عالمنا العربي.

وتأتي قيمة اللقاءات الفكرية من خلال طرحها القابل للتطبيق والذي يساهم في صياغته مختلف مفكري ومثقفي المجتمع على اختلاف وجهات نظرهم باعتبار أن الوطن ومصالحه هي همهم الأول.

وهنا في الأردن حظيت مجالس وحوارات المفكرين برعاية سمو الأمير الحسن ابن طلال، من خلال رئاسة سموه لمنتدى الفكر العربي والمعهد الملكي للدراسات الدينية وغيرها من المؤسسات التي يرأسها سموه، فالأمير يعمل جاهداً على وضع آلية عملية ترتكز على منهجية سامية رفيعة تستطيع مؤسسات المجتمع المدني عن طريقها تحقيق شعاره الأسمى الذي يرفعه دائماً (الكرامة الإنسانية) فإذا التزم الجميع بالحفاظ على الكرامة الإنسانية يسود بموجبها العدل والحق واحترام الرأي والرأي الآخر، وفي صدد جهود سموه العملية لتحقيق هذا الشعار وغيره من الشعارات طرح سموه العديد من المنطلقات والمبادرات التي تعتبر بحق مشاريع نهضة في مجالات عدة منها التنمية الاقتصادية الإسلامية وتحديداً في مجال الزكاة ومجال التعايش الحضاري وحقوق الإنسان، واخيرا واستكمالاً لنظرة سموه الحضارية المتكاملة وجه سموه البوصلة نحو أهمية الحوار بين القوميات الكبرى في إقليمنا أو ما يعرف بالأعمدة الأربعة وهي: (العرب والفرس والترك والكرد)، وربما كان هذا الاتجاه نتيجة استقراء متأني لسموه لطموح الأمة في الوحدة منذ نشأتها، وهو بالتالي يجعل الباحثين والدارسين أمام اختبار حقيقي في التنقيب والتحليل لهذه الميزة الحضارية، وإن كان سموه قد قدم إليهم المفتاح والحل في آن واحد، منبهاً إلى ضرورة صرف النظر والقلم عن عوامل الفرقة وملامح الانقسام، وتوجيه الجميع نحو عوامل القوة الكامنة في روح هذه الحضارة العريقة في تاريخها وهويتها وطموحها.

يقول سموه في مقالة له حول أهمية الحوار بين القوميات: (إن قراءة المشهد الراهن تجعلنا نتساءل: هل انتقلنا من الحديث عما يسمى بصدام الحضارات إلى صراع القوميات؟)، تساؤل برسم الإجابة في طياته، ففيه خطاب تحذيري من أن لا ننساق نحو مثل هكذا واقع وإن الجهود يجب أن تبذل نحو البناء لا الهدم، حيث يقول سموه: (إن القدرة على الإدارة الحكيمة للاختلاف ستسهم في صياغة العلاقات الحضارية بين بلدان المشرق التي تملك إطاراً متيناً للتعاون والتلاقي).

إن طرح سموه للحلول التوافقية لأبناء الأمة والمتشكل من نسيجهم المتماسك القوي يكون في إقامة المؤسسات العلمية العربية والإسلامية القادرة على كشف أسرار هذا النسيج والقادرة على معالجة ما يشوبه أحياناً من أعراض وآفات فكرية، ومن بين هذه الحلول فكرة إحياء موروثنا الحضاري المتعلق ببناء وإقامة المجامع اللغوية والعلمية القادرة على قيادة الفكر النهضوي للأمة والعمل على تقديم ثقافتها وعلومها بشكل دقيق والمحافظة على تسجيل وتدوين نتاجها عبر مختلف العقود.

والحقيقة أن الجهود الهاشمية والتوصيات السامية لهم عبر مختلف فترات حكمهم ومن منطلق عروبتهم وحرصهم على حضارتهم العربية الإسلامية كانوا سباقين في الدعوة لإقامة المؤتمرات واطلاق الأفكار الداعية لوحدة الأمة.

إن اللقاء الذي شرفني سموه لأشارك مع العلماء والمفكرين فيه وذلك ضمن جلسات مؤتمر (أعمدة الأمة الأربعة) في عمان يوم الأحد 22/7/2018م، هذا المؤتمر الذي جاء في الوقت المناسب وهو نتيجة تفكير عميق من سمو الأمير الذي انطلق به نحو بناء قواعد متينة للمستقبل تتكون من عوامل التوحد والنهوض وتنبذ الكراهية والفرقة، ولأنه هاشمي يؤمن بالشورى ومن أفواه جميع مكونات المجتمع حرص الاستماع للجميع، حيث شارك في كل الجلسات الصباحية والمسائية، ليطلق سموه مبدأ هاشميا أصيلا مفاده (نحن بحاجة أن نجتمع لا أن نختلف، فعدونا الحقيقي خارج دائرة مكوناتنا، فلا داعي لخلق العداء بيننا).

يدور في ذهني فكرة مفادها أن الأمير العربي الهاشمي إنسانياً في طرحه نحو ضرورة توحيد أمتنا واحترام قوميتنا المتشكلة من تجانس هو سر قوتها، إذ قدم درساً عالمياً لأولئك الظالمين المستبدين ممن يدعون إلى العنصرية ونشر الكراهية، ممن يحاولون تمزيق القوميات الأصيلة ويسعون لبناء قومية زائفة زائلة وما إسرائيل وقانونها الأخير عنها ببعيد إذ كرست فيه الكراهية والعنصرية وستكون نتائجه وبالاً على إسرائيل.

إن جهود سموه وفكره يضع العالم اليوم أمام نموذج للتعايش وحوار الأديان تنبذ به الأصوات الخافتة البائسة التي ينادي بها بعض الواهمين من لصوص التاريخ والحقيقة من آفات القومية وأعداء السلام.

وأخيراً فأرغب الإشارة إلى أن جهود سموه جاءت استكمالاً واستمراراً لا ينقطع من الأفكار والمشاريع والمبادرات التي أطلقها وما زال يرعى الكثير منها، وقد حرص سموه فيها على التواصل مع علماء الأمة العربية والإسلامية والاستماع إلى وجهات نظرهم حول جميع ما يرتبط بواقع أمتنا من خلال المؤسسات التي يرأسها سموه، لتشكل النواة والمنطلق لجهود العلماء في مواجهة تحديات الأمة والسعي نحو رقيها.