فتح السجّان البوابة الحديدية وأطلت الجميلة بوجهها المشرق وابتسامتها المتفائلة مثل شمس الصباح، وهي تعلم أنها لم تحصل على حصتها من الحرية رغم اطلاق سراحها، لأن الإحتلال ينقلها من سجنه الصغير إلى سجنها الكبير، في غياب العدالة والشرعية الدولية والقيم الإنسانية.

قال والد الشابة عهد التميمي لوسائل الإعلام في لحظة إطلاق سراحها :"لن نتراجع عن خيار المقاومة"، ولكنه يعرف أن صرخته ستتلاشى في خضم تطورات خطيرة متسارعة، لا نعلم أين وكيف ومتى ستنتهي وما هي نتائجها، في ظل تحالفات غيّرت الثوابت العربية، كما غيّرت الأهداف الإستراتيجية للثورة الفلسطينية، بعد عزلها عن حاضنتها القومية والشعبية، وتحويل الصراع من صراع عربي -اسرائيلي، إلى صراع فلسطيني-اسرائيلي، لا يتجاوز الخلاف على الحدود.

في لحظة اطلاق سراح الشابة عهد التميمي، والحديث عن خيار المقاومة، كنت أقرأ بعض مقالات كتبها المفكر الصديق الراحل غالب هلسا قبل 31 عاما تحت عنوان"اختيار النهايات الحزينة"، وهنا اقتبس فقرة من مقال نشره في كانون الثاني من العام 1987، تتعلق بدورالمال العربي في فرض التسوية:"ان تيار المال الكثيف حمل معه المصالح والتوجهات للدول التي يأتي منها، وكانت أبرز النتائج لهذه المسألة هي اخضاع الكفاح المسلح لمشاريع التسوية، والطابع الذي يسترعي الإنتباه في مشاريع التسوية أنها مشاريع غير قابلة للتحقق، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الداعي إلى ملاحقة هذه المشاريع الأوهام ما دامت غير قابلة للتحقق حتى في حدها الأدنى؟ "انتهى الاقتباس.

وفي لحظة اطلاق سراح الشابة المكافحة عهد التميمي بثت الفضائيات خبر استقالة عضو الكنيست زهير البهلول احتجاجا على قرار"قومية دولة اسرائيل"وهو القرار العنصري الذي أقره الكنيست اخيرا، تمهيداً لتنفيذ مشروع"الصفقة الكبرى"المعني بتصفية القضية الفلسطينية، بعد تجريدها من جوهرها ومضمونها القومي، وقطع الروابط المصيرية مع عمقها العربي الغارق بالعنف والفوضى والحروب المصطنعة، رافق ذلك خلق عدو بديل وساحة صراع جديدة بعيدة، على قاعدة خلافات مذهبية يتم تكريسها وتعميقها لتحويلها لصراع طائفي بغيض، يمنح اسرائيل فرصتها التاريخية لتكريس الأمر الواقع حسب مصالحها وشروطها.

مواجهة هذا المشروع التصفوي، تستلزم إعادة النظر بخيارات وعلاقات وتحالفات القيادة الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي، كما عليها أن تعيد القضية للحاضنة الشعبية الاجتماعية الثورية العربية، وبالتالي تقتنع بخيارها المتاح الأوحد، الذي تم تهميشه ورفضه لعقود، وهو خيار الانتفاضة ومقاومة الإحتلال، بعدما فقدت مجموعة خياراتها على طاولة المفاوضات العبثية مع القيادة اليمينية الصهيونية، لأن لهذه الحكومة مشروعها الصهيوني المتمثل بالضم والتهويد والاستيطان ومشروع الدولة العنصرية الرافض لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.