شهدنا مع بدايات"قضيّة التّبغ"سباقاً محموماً بين عددٍ من الإعلاميّين للتواصل مع المشتبه به الرّئيسي في القضيّة ونشرت مواقع إخباريّة ووسائل اعلامية تصريحاته ودفاعه عن نفسه بشتّى الصور المرئيّة والمسموعة والمكتوبة، دونما أدنى اعتبارٍ لحُرمة إجراءات النّيابة العامّة وحساسيّة القضيّة.

و المفارقة، أنّه لو كانت الخصومة بين مشتبه به وأيّ فردٍ أو جماعةٍ لما بادر أحدٌ لاستضافته والتواصل معه لكنّ الخصم الّذي لم يُلق بالٌا لكمِّهِ أو نوعه هو وطنٌ بمؤسّساته وشعبٌ من دافعي الضّرائب.

من الصعوبة سنُّ قاعدةٍ ثابتةٍ لأمرٍ مُتغيِّر، لهذا نجد تشريعات العالم عموماً لاتواكب الثّغرات الناتجة عن التطورالتقنيّ في نصوصها إلّا عند قيامِ سببٍ يدعو لإدخال التعديلات، لكنّ الأُطُر العامّة للقوانين تتّسِعُ في العادة لتغطّي أكبر قدرٍ من الجرائم تاركةً للقضاء صلاحيّة التّفسير لتحديد المشمول من الأفعال بمظلّة النّصّ والخارج عنها.

و في هذا المقام لا بد من الإشارة إلى نصوص قانون الإعلام المرئيّ والمسموع الّتي تحظر على المرخّص له بثّ ما يُخِلّ بالأمن الوطنيّ والإجتماعيّ وكذلك ما اعتبره قانون العقوبات من الأعمال المعرقلة لسير العدالة، ممّا يضع كل الأفعال المشار إليها في المقدّمة أعلاه في قائمة شبهة مخالفة القانون.

و إذا كانت الغاية هي السّبقُ الإعلاميّ فإنّها لا تبرّر الوسيلة، فالمُشتبه به العالِمُ بالطّلب هو بحُكمِ الفارِّ من وجه العدالة في جريمة فسادٍ إقتصاديٍّ تستحوذُ على إهتمام الرّأي العام الأردنيّ بأكمله لا بَل أن العقوبات في القانون تطالُ أبعد ممّن يؤوي مطلوباً فارّاً إلى من يقدّم له الطعام في بعض الحالات، فما حُكمُ مَن يقدّم له منبراً عامّاً ليدّعي ما يشاء بعيداً عن سُلطة النّيابة والقضاء؟

و بتعريجٍ مُختصرٍ في ذات السياق القانونيّ على جدليّة الاختصاص القضائيّ، إذ انشغل العديدُ في صحّة اسناده لمحكمة أمن الدّولة وأخذ "التّكييف" الحُصّة الأكبر من الاهتمام على حساب الأهمّ وهو "الكيفية" الّتي اتّسَعَ فيها رَتق الجريمة المتتابعة والمستمرّة لتُرتَكَب على مساحة الوطن طيلة عقدٍ من الزّمان، ونظراً لأهميّة مسألة الاختصاص فقد تحوّط المشرّع الجزائيِّ في قانون أصول المحاكمات الجزائيّة ليُقرّ بصحّة وسلامة الإجراءات الّتي تباشرها الجهة التحقيقيّة حتّى وإن ثبت لاحقاً عدم اختصاصها، عدا عن أنّ الإختلاف في اسناد الإختصاص دارجٌ وتفصل فيه المحاكم بشكلٍ يوميٍّ وعلى مُختلف مستوياتها ودرجاتها، كما يفتقدُ ما يشاعُ بعدم الإعتراف بأمن الدّولة للتعليل السليم ويخالف قواعد اتفاقيّات التسليم الدوليّة والثنائيّة.

و لا بُدّ من الإشارة هُنا بتقديرٍ لما آثرته الحكومة من السماح بالنّشر في هذه القضية حتى الآن وما تبذله من جهدٍ في تبيانِ المُستجدّات تباعاً بتوازُنٍ مع سرّيّة التحقيقات وضمان حسن سير العدالة.

نحن على أعتاب مرحلة تطهيرٍ تتطلّبُ شراكةً حقيقيّةً من المواطنين على اختلاف مواقعهم وتقومُ على إعلامٍ واعٍ لا تُمتطى منابره صاحبةُ الرّسالة النبيلة، فالإعلام الحرُّ المسؤول هو عينُ المواطن على الحقيقة وذراعُ العدالة ورديفُ السُّلُطات الدُّستوريّةِ الثلاث، المُعينُ للحقّ والمُطيعُ لحُكم القانون.