بعد التطورات الاخيرة في جنوب سوريا وقبلها بالغوطة ومخيم اليرموك، يمكن القول إن الأمور على الأرض آلت للحكومة السورية وجيشها بعد سبع سنوات من العنف والحرب الطاحنة.

في الواقع بعد النصر الذي سجله الجيش السوري وحلفاؤه في حلب، أقصى شمال سوريا، كانت التوقعات تذهب باتجاه أن المعارك تكاد تنتهي وسط تراجع حضور وفاعلية جماعات المعارضة المسلحة، وذلك بتراجع الدعم والتمويل الذي كانت تتلقاه من دول خارجية.

منذ أن بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملته الانتخابية وبعد أن نجح بانتخابات الرئاسة كان واضحا السياسة التي سيتبعها في سوريا عندما أشار غير مرة أن ليس من أولوية الولايات المتحدة إسقاط انظمة، بل إن الرئيس السوري بشار الأسد بدا حليفا لواشنطن فيما تعلق بالحرب على الإرهاب الداعشي على وجه التحديد.

لذلك، منذ أكثر من عام على الأقل، بدا واضحا أن المسار العسكري والسياسي يصب في صالح الحكومة السورية، وذلك بشكل أساس بفعل الفاعلية الروسية التي حملت النظام السوري وحمته منذ العام 2013.

في ذلك العام كانت المعارضة المسلحة تسيطر على غالبية الأراضي السورية، بل إن الخرائط التي نشرت لانتشار المعارضة المسلحة وتنظيم داعش الإرهابي تؤكد اقترابهما من دمشق وتضييق الخناق على القوات الحكومية، ولولا التدخل الروسي في تلك اللحظة الحاسمة لكان بالإمكان أن نشهد اليوم واقعا مختلفا عما هو عليه.

الجيش السوري وحلفاؤه روسيا وايران وحزب الله، بدأوا إصرارهم على إنجاز مهمة الجنوب السوري، وهي المهمة التي كانت معقدة وذات حسابات مختلفة عن تلك المعركة التي دارت رحاها في حلب، لتكون موقعة الجنوب من أهم المعارك التي خاضها الجيش السوري وحليفه الروسي.

في الجنوب السوري، لم تعد الحرب بالوكالة، عبر مجموعات مسلحة ممولة ومدعومة خارجيا، بل تحولت تحولا دراماتيكيا لتصبح حربا بالأصالة تخوضها الدول الضالعة بالأزمة السورية، وليس خافيا على أحد مستوى التنسيق العالي بين القوات الأميركية والإسرائيلية وبين القوات الروسية من جهة، ومن جهة أخرى التنسيق بين الأردن وروسيا من ناحية حرص الأردن على ان لا تكون لمعركة الجنوب تداعيات تؤثر على الأمن الأردني وتؤثر على زيادة وتيرة اللجوء نحو الأراضي الأردنية، وهو اللجوء الذي كان سببا رئيسيا فيما هي عليه الأوضاع الاقتصادية في الأردن.

كان الهدف الأميركي الإسرائيلي بالضغط على روسيا لإجبار حليفتها إيران بإبعاد قواتها عن مناطق الجنوب السوري، ومن أجل ذلك عمد الطيران الإسرائيلي لضرب مواقع لإيران والمليشيات الشيعية الأخرى في أكثر من موقع داخل الأراضي السورية لمنعها من إقامة قواعد عسكرية في الجنوب السوري، غير أن إيران وإن هددت بالرد إلا أنها لم ترد، بل صرح سفيرها لدى عمان أن لا وجود للقوات الإيرانية في جنوب سوريا وأن القوات الإيرانية لم تشارك في معارك الغوطة ومخيم اليرموك.

من دون شك، نجح الأميركان والإسرائيليين في الضغط على روسيا لوضع حد للنفوذ الإيراني المتزايد في سوريا، وهو ما حدث بالفعل بتصريح السفير الإيراني وبعجز إيران عن الرد على الخسائر التي تلقتها بغارات الطيران الإسرائيلي.

اليوم الواقع أصبح مختلفا حتى لدى إسرائيل التي لم تمانع بعودة الجيش السوري للمناطق المحاذية للجولان السوري المحتل كما كان الأمر قبل العام 2011، بل إنه ولأول مرة منذ اندلاع الأزمة السورية نسمع إسرائيل تطالب بعودة قوات فض الاشتباك"أندوف"لقواعدها المهجورة على الحدود السورية، وهي القوات التي أُنشئت بقرار من مجلس الأمن العام 1974.

في الجنوب السوري، تسير الأمور باتجاه الاستقرار اكثر، فمن المعارضة المسلحة من قبل بالصلح والمبادرات الروسية، ومنها من رفض الصلح وقبل بالترحيل لمحافظة إدلب.

غير أنه يبقى هناك جيوبا للمسلحين ليست ذات تأثير كبير باستثناء قوات خالد الموالية لتنظيم داعش والمتواجدة في منطقة حوض اليرموك.

حسب التقديرات، تعداد تلك القوات لا يزيد على 1500 عنصر، وبالرغم من أن تعداهم ليس كبيرا إلا انهم يمتلكون أسلحة ثقيلة.

لكن، ومع ذلك فإن أمر القضاء عليهم يبدو متاحا بمزيد من التنسيق الروسي السوري الأردني وحتى الإسرائيلي لتشديد الخناق عليهم ومحاصرتهم وتوجيه ضربات عسكرية مركزة على معاقلهم، فإن ذلك من شأنه أن يدفعهم إما للقبول بالترحيل صوب إدلب أو الاستسلام والتلاشي بفعل الحصار والضربات العسكرية المركزة.

يبقى هناك معركة كبرى لا بد أن تندلع في وقت ما وتتمثل بمعركة إدلب الكبرى، وإن كان هناك تعقيد يتمثل بتركيا التي وضعت قواتها على حدود إدلب، إن أن الدور الروسي سيعمل لإنجاز المهمة كما حدث في جنوب سوريا.

أردنيا، لم يعد هناك حاجة لاتفاقات من مثل"وقف النار"أو"مناطق منخفضة التصعيد"، بعد أن سيطر الجيش السوري على الغالبية العظمى من جنوب سوريا، بل إن الحديث اليوم يجري في سياق كيفية الاستفادة من الهدوء في مناطق الجنوب على الصعد المختلفة السياسية والاقتصادية.

ثمة قيمة عظيمة لفتح معبر نصيب/ جابر أمام الحركة التجارية وحركة الركاب، وذلك سواء مع سوريا أو مع لبنان.

وفي الحقيقة ثمة اهتمام لبناني كبير باتجاه فتح معبر نصيب، ليتمكن اللبنانيون من الوصول برا إلى الأردن و تسهيل حركة التبادل التجاري اللبناني الأردني عبر المعبر، هذا من جانب، ومن جانب آخر ثمة قيمة عظيمة لفتح المعبر بالنسبة للأردن من ناحية أنه سيكون بمقدور المنتجات الأردنية المحملة بالشاحنات الوصول لاقصى نقطة في سوريا إذا ما أخذنا بالاعتبار أن الجيش السوري وحلفائه يسيطرون على مساحة 470 كيلو متر على امتداد الطريق الدولي الأطول في سوريا والواصل بين درعا جنوبا بحلب شمالا.

يبقى تحد على امتداد الطريق الدولي ويتمثل بتلك المساحة المحاذية لإدلب، غير أن الجيش السوري تمكن مبكرا من إيجاد بديل للطرق التي كانت تسيطر عليها المعارضة، كما ان تمكن الجيش السوري وحلفائه من إنجاز مهمة إدلب سيكون له أثر كبير على الواقع السوري، الذي سيتحول من الحرب للإعمار وإلى مرحلة البناء الاقتصادي، عندها لا شك أن يكون هناك فائدة للأردن سواء بالتبادل التجاري والترانزيت أو بالمساهمة بشكل أو بآخر في عملية الإعمار.

لذلك، يمكن القول اليوم إن الحرب في سوريا وضعت أوزارها بعد أزيد من سبع سنوات على اندلاعها وبعد تطورات متسارعة ومتغيرة سواء على صعيد الحرب العسكرية أو على صعيد البعد السياسي والإقليمي والدولي.

ويمكن القول إن سوريا بفعل السياسة الروسية التي اصبحت لاعباً رئيسيا في المنطقة، تتجه لأن تكون مستقبلاً دولة مدنية حقيقية، تستند لدستور جديد ولحكم صناديق الاقتراع لتمثيل الشعب وتداول السلطة، ذلك على ما يبدو مشروعا روسيا لكي تسجل موسكو لنفسها انتصارا على صعيد المعركة العسكرية وعلى صعيد بناء حياة مدنية في سوريا على خلاف ما حدث في العراق والدول الاخرى.