اعتاد رئيس الحكومة السابق هاني الملقي أن يتحدث عن الخطوات الناجحة التي تقطعها حكومته على طريق الإصلاح الاقتصادي، وتفاءل لأكثر من مرة مع أن المؤشرات كانت تدحض جميع تصوراته وتصريحاته، ومع ذلك، فحكومة الملقي كانت تعتقد بأنها تمضي في الطريق الصحيح، وذلك أن الغاية التي ترفعها الحكومة بشكل دائم تتمثل في تجاوز العجز القائم في المالية العامة، وذلك إنجاز مالي في أفضل الأحوال لايمكن أن يقترن مطلقاً بأي حديث عن الاقتصاد ولا يجب أن يرتقي لادعاءات بوجود إدارة اقتصادية، فالاقتصاد أوسع كثيراً من المالية العامة التي ليست سوى واحدة من مزايا عديدة تعكس صورة الأوضاع الاقتصادية في بلد معين وفي فترة محددة.

الحكومات تتطلع إلى ما يخصها في المسألة الاقتصادية، ولكن الحكومة على الرغم من دورها في صياغة البيئة الاقتصادية ليست في النهاية إلاطرفا بين أطراف كثيرة في المعادلة الاقتصادية، وهي تنظر إلى ما يخصها وإلى نتائج مالية متوازنة بينما المواطن الأردني ينظر إلى ما يستطيع أن يضيفه أرغفة إلى مائدته، وبين الصورتين هوة واسعة للغاية.

في العقود الأخيرة من الزمن بقي الاقتصاد الأردني يستهلك ذاته، وهو الأمر الذي كان يحول دون النهوض بإنتاجيته ويدفعه تجاه تحقيق الأهداف التنموية، والطبيعي أن اقتصاداً قائماً على اجترار مخزون مراحل سابقة ومكتسباتها سيؤول في النهاية إلى (تلبيس الطواقي) كما يقولها التجار الصغار، ويبدو أن ثمة خطأ جوهريا في النظرة للأمور، فالمعايير التي تجمع الحكومة والمواطنين كمرجعيات لتقييم الأداء الاقتصادي للحكومة تتمثل في نسبة البطالة والتضخم وغيرها، مع اهمال أن هذه المؤشرات تعتبر نتائج لكثير من المتطلبات السابقة، ومنها بالطبع دعم القطاعات الاقتصادية لزيادة إنتاجيتها، وتشجيع الاستثمار بوصفه أكثر الطرق نجاعة لتوفير فرص التشغيل وبالتالي عوائد الدولة.

المستثمرون لا يجدون من يستمع لهم، وحتى لو وجدوا أذناً صاغية هنا أو هناك، فإن ذلك سيكون تعبيراً عن موقف أو اجتهاد فردي، وعلى المستثمر أن يلقي بنفسه في متاهة البيروقراطية (ليخلع شوكه بيديه)، وهو الأمر الذي لا يمتلك أي مستثمر الدافع أو الوقت ليخوض في تفاصيله، ففي النهاية المستثمرون يمتلكون أموالاً ساخنة مجرد بقائها معطلة لحين الانتهاء من متطلبات التأسيس والتشغيل يعتبر خسارة لم تعد مبررة أمامهم، بخاصة وأن التنافس على الاستثمار في المنطقة تحول لتهافت صريح، وبخاصة مع دخول الدول الخليجية الثرية على خط استقطاب المستثمرين بما تقدمه من مرونة في التعامل وسرعة في الاستجابة وتوفر للبنية التحتية ووجود أسواق محلية من شأنها أن تستوعب أصلاً جزءاً من منتجات المستثمر، وهذه الوضعية تحاصر الأردن في الاستثمارات التي يمتلك ميزة تنافسية طبيعية مثل زراعات نوعية أو صناعات مرتبطة بالثروة المعدنية أو خدمات متصلة بأماكن جذب سياحي معينة.

تواجد الملك قبل فترة ليست بالبعيدة في أحد المؤتمرات الاستثمارية الأميركية الكبرى ليقوم بالترويج للاستثمار في الأردن، وتقديم الأردن كمحطة محتملة على الخريطة الاستثمارية في المنطقة، وهذه الجهود ليست جديدة، والحصول على فرصة التواصل ليس متاحاً حتى لرؤساء العديد من الحكومات حول العالم، وما على الجميع أن يستوعبه أن الحضور في صن فالي مجموعة من كبار المستثمرين الذين يصوغون مستقبل العالم ويعملون على تغيير المعادلات القائمة سواء، أي أنهم جزء أصيل من الثورة الصناعية الرابعة، ولا يمكن التعامل معهم بنفس الطريقة التي يؤديها القائمون على تشجيع الاستثمار مع المستثمرين التقليديين ومؤشرات الأداء المتوفرة حول جذب الاستثمارات لا تبدو مريحة في هذه الفئة، فكيف إذا ما انتقلت لتتعامل مع فئة أكثر نوعية وانتقائية بنماذج عمل معقدة ورؤيوية؟

عادة ما تتجنب الحكومات أن تقدم مؤشرات أدائها الواضحة بخصوص جذب الاستثمارات، وما يحدث هو (أكشن) تعودنا عليه بعد كثير من المؤتمرات والمبادرات التي تنظمها الهيئات الحكومية أو تحضرها أو تتبناها، فيكون الحديث عن عدة مليارات ينوي المستثمرون وضعها في الأردن، وهذه وعود مبدئية تكون مرتبطة بما يستمعون له من المسؤولين الذين يحاولون تسويق الفرصة الاستثمارية، إلا أن هذه المليارات تتبخر تباعاً عندما يبدأ الدخول إلى تفاصيل التطبيق، ويجد المستثمر نفسه مضطراً لأن يضحي بجزء من مصداقيته لأنه غير مستعد لأن يضحي بأمواله، وبالطبع فالاستثمار سوق يحكم بالعرض والطلب، وتبقى السمعة جزءاً منه، والمستثمرون يحاولون دائماً أن يخرجوا بسمعة جيدة، أما السمعة السلبية فتلحق بالأردن بشكل عام، والملابسات التقليدية عادة ما تتعلق بموظفين صغار يتمسكون بنصوص تعليماتهم وينظرون إلى ملفاتهم بوصفها جزءاً منفصلاً عن السياق العام، كما الحكومة وهي تنظر إلى البطالة وكأنها عقوبة سماوية وليست محصلة ضعف الأداء في التنافس على حصة استثمارية تستطيع تحريك العجلة الاقتصادية.

اكتفى الأردن من المؤتمرات التي عقدت مطولاً لدراسة شؤون الاستثمار، وما يحتاجه حالياً هو دراسة تقوم على الشفافية والمكاشفة لتدارس الأخطاء مع وضع خطط محددة بأطر زمنية لتلافيها، وبالتأكيد مؤشرات أداء يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من أدوات الحكم على أداء أي حكومة، وذلك بدلاً من الكلام البالغ العمومية حول أعراض المرض دون امتلاك الجرأة على التعامل مباشرة مع أصل الداء والبلاء.