في السعودية كانت الرياض أيقونة المدن، حيث كان الملك سلمان بن عبدالعزيز أميرا عليها لسنين طويلة، وكان حاكما يدير شؤون إمارة الرياض باحتراف، ونظرا للصرامة والحيادية المعروفة عنه، تمتعت العاصمة السياسية بتنمية شاملة وهائلة في مشاريع البنى التحتية والخدمات، حيث لايمكن لأحد من الكبار أو الصغار أن يتلاعب على المكشوف خشية الأمير سلمان حينها الذي كف يدّ الطامعين بمخصصاتها، وتركزت طبقة رجال الأعمال المشكوك فيهم بعيدة عن الرياض،من مكة وجدة حتى بقية المناطق والقطاعات، وحين تسلم مقاليد الحكم أطلق يدّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمحاسبة ومطاردة المتهمين بالفساد المالي والوظيفي، وبدأ تنظيف الدرج من الأعلى.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان مخترعا للثورة ضد الفاسدين، ولكنه أبدع فيها وقطع الطريق على مشاريع الفساد المستقبلية، وسبقه بعقدين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث بدأ بتنظيف مرحلة"بوريس يلتسين"وطارد آباطرة المافيا الذين سيطروا على اقتصاد الدولة والتركة السوفييتية، ورغم هروب البعض من مليارديرات روسيا وخصوصا اليهود، فقد استطاع بوتين كبح جماح التدهور الذي كاد أن يقذف بروسيا لمؤخرة الدول الصناعية وأبعد، ولهذا فمع اتهام بوتين بالفساد المالي السياسي، فإن الكيّ الموجع غيّر موازين القوى لتعود روسيا لاعبا رئيسا على الساحة الدولية ومحافظة على قوة صراعها مع الغرب. ماذا عن الأردن الذي أسرع في سن قوانين مكافحة الفساد ومطاردة شبهات غسيل الأموال والتضييق على أي حركات مالية أو تجارية غير مريحة، ومع هذا تتفجر بين الحين والاخر قضايا مخجلة تصيب إدارة الدولة بالحرج، وتصيب المواطنين بالصدمة، ولعل آخر نسخة من أفلام"آل كابوني"الأردنية هي ما عرفت خطأً بقضية الدخان، والحقيقة أنها أكبر من مجرد تبغ يتم تهريبه والتفلت من الرسوم الجمركية والضرائب، بل هو فساد أخلاقي يثير الشك بكل ما يجري حولنا، خصوصا أن مصانع الدخان المعروفة هي تحت رقابة الجمارك والضريبة في داخل المصانع، فكيف تدخل الآلات وتوزع في المناطق دون كشفها، وكيف توزع منتجها الرخيص تحت إسم "الدخان الصيني".

نحن اليوم لانريد مكافحة الفساد بل نريد مكافحة الفاسدين، وتغيير قوانين العقوبات الخاص بالجرائم الإقتصادية حتى يحاسب الجميع بأشد العقوبات الرادعة، ليرى المواطن الذي يعُاقب على فاتورة مياه أن الرؤوس الفاسدة تدحرجت على عتبات المحاكم لا الأصابع فقط ، فالمتهم الهارب ليس سوى إطار ضمن بقية الإطارات التي تحمل شاحنة الفساد المتحركة، ويجب الكشف عن الأسماء الحقيقية و عدم التركيز فقط على شخص والتحفظ على آخر.

إن الفساد الأخلاقي هو أساس الفساد برمته، والشريف لا يمكن أن يفسد لو جاع، أما فاسد القلب فلن يشبع لو امتلك الدنيا، والفساد حول العالم أصبح له دولة ورجال وعصابات قذرة، يحميها محامون وسياسيون وأمنيون وإعلاميون فاسدون، لهذا نجد أن أكبر سوق عالمي هي المخدرات يليها الدعارة، بأكثر من 300 مليار دولار...لهذا على من يعنيه الأمر أن يستفيد من تجربة محمد بن سلمان في قطع دابر لصوص مال المواطنين، أما السياسة فملعبها واسع وضائع.

Royal430@hotmail.com