الخطوات الايجابية المقرونة بالفعل القانوني السريع والحازم التي اتخذتها الحكومة ضد ملف الفساد الأخير الذي طغى على سطح المشهد المحلي، تبعث على الارتياح وتؤشر إلى وضع حكومة الرئيس عمر الرزاز ما جاء في بيانها الوزاري الذي نالت بموجبه ثقة مجلس النواب وقبله ردّ الحكومة على كتاب التكليف السامي، موضع التنفيذ بعيداً عن الشعبوية أو تملّق الشارع وهو أمر يلحظه الأردنيون بوضوح في ما تم اتخاذه من إجراءات وقرارات منذ اللحظة الأولى لبروز هذا الملف، ادراكاً سريعاً وواقعياً من الحكومة بأنّ المسألة أخطر وأعمق من حكاية دخان مزوّر او تهرّب جمركي وضريبي، بل قناعة جازمة بأن الوقت قد حان لوضع مسألة مكافحة الفساد موضع التنفيذ كأولوية وطنية لا تحتمل التأجيل أو التسويف أو المماطلة وعدم منح الوقت للمتورطين في ملفات الفساد أيّا كانت وعلى أي مستوى جاءت لارتكاب المزيد من أفعالهم الإجرامية التي تمسّ المصالح الوطنية العليا وتسهم في ضعضعة الثقة بسلطات انفاذ القانون.

وإذا كان ملف الدخان قد أخذ مساحة واسعة من الجدل والنقاش بأبعاد مختلفة قانونية وإجرائية وقراءات متباينة في شأن مستوى طبيعة وحجم الأشخاص والجهات المتورطين في ملف كهذا، فإن من الأهمية بمكان في هذا الشأن التأكيد على أن الكلمة الأخيرة هي القانون وليس ثمة أهمية او مكانة للشائعات التي هي في معظمها بعيدة عن الحقيقة أو يجري بثها لابعاد الأنظار عن أسماء وشخصيات أو ملفات أخرى وغالباً ما تكون مجرد ردود أفعال لا سند لها على أرض الواقع وهي في النهاية لا تؤشر على مجرى التحقيقات أو توفر ملاذاً آمناً لأي من المتورطين أو من يقفون خلفهم.

لهذا توجب منذ البداية التوقف عن مغزى التصريح الذي اطلقه رئيس الوزراء عندما قال في عبارة صريحة لا تحتمل الاجتهاد او التأويل بأنه تلقى ضوءاً أخضر من جلالة الملك للمضي قدماً في محاربة الفساد وفي مقدمته هذا الملف الذي بات حديث الأردنيين وموضع متابعتهم مضيفاً دولته بأن لا حصانة أو مظلة لفاسد.

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإنّ من الأهمية بمكان في هذا الشأن لفت انظار الجميع بعدم الذهاب بعيداً في التشكيك بالاجراءات الحكومية او اختراع مبررات واهية والقياس على احداث وملفات سابقة للإيحاء بأن الحكومة الحالية لن تمضي قدماً في مكافحة الفساد وان هناك قوى معطّلة لا مصلحة لها بفتح المزيد من ملفات الفساد سواء كانت صحيحة وذات أسانيد ام مفتعلة خشية من الاساءة الى سمعة البلد والتأثير سلباً على مناخات الاستثمار وهيئات انفاذ القانون، وهذا كله لا صحة له ولا أهمية لأن سمعة البلد الحقيقية تتأتى من تنفيذ القانون وسيادته وشفافية الاجراءات وحماية المستثمرين من عبث الفاسدين وابتزازهم ووقف اساءاتهم بحق الاردنيين واقتصادهم الوطني وخزينتهم العامة.

آن الاوان لان يولي الاردنيون ثقتهم بدولتهم ودستورهم وقيادتهم الهاشمية وان يكون على قناعة راسخة بأن جدية كاملة وارادة سياسية واضحة تقف خلف كل ما تم وسيتم اتخاذه في ملفات مكافحة الفساد صغرت ام كبرت وان الشفافية ستكون هي المعيار وهي الوسيلة امام القانون الذي سيطبق بحزم وبحذافيره ولن يخضع للابتزاز او الضغوطات او يمنح المزيد من الوقت للفاسدين كي ينجوا من العقاب وسيعلم الاردنيون اولاً بأول بكل ما يتعلق بالاجراءات المتخذة في ملفات مكافحة الفساد وبالتأكيد ملف الدخان الذي لن يغلق إلاّ بعد ان يأخذ القانون مجراه ويعلم الذين فسدوا وأفسدوا اي منقلب ينقلبون.