انتهت جلسات الثقة وحازت الحكومة على ثقة تؤهلها المضي في تنفيذ برامجها، ومن يقرأ جلجلة الكلمات وما اثير فيها من صخب وأسئلة وتجاذبات يقف بين مفارقتين، نيابية شعبوية وحكومية عملية؛ الأولى ترغب العودة الى حجم مجلس النواب الطبيعي في الدفاع عن مصالح البلاد والعباد بعد ان اهتزت صورته امام قواعده الانتخابية؛ والثانية تكريس معنى الولاية العامة بأسلوب جديد تعي فيه العمل بشفافية ومسؤولية تعكس حجم التوقعات بعد المئة يوم الأولى، ولذلك فأن الحكم المسبق على الحكومة الأن ليس مطلوباً؛ وإنما الجد والاخلاص في النوايا والعمل والانجاز لمعالجة الخلل الذي تقارفه بعض فئات استمرأت الفساد والإفساد وسرقة المال بمختلف الوسائل والاساليب ودوافعها بعض أشخاص لم يدركوا ان الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لهم بالمرصاد، فما كانوا يتوافقون عليه بعيدا عن الاضواء بَانَ بين لحظة وضحاها، ومن يكتبون ويدبجون مقالتهم ويطالبون الحكومة بكشف قضية الدخان، كانت الحكومة أسرع منهم حين ردت في مجلس النواب على ذلك وحين صرح الناطق الرسمي عن حيثيات هذه القضية بعد ذلك.

ان العمل والاخلاص لا يحتاج الى ظواهر صوتية ولا الى هبات موسمية؛ وانما الجد والصبر والتأني والعمل بوعي ومسؤولية واقتدار للوصول الى الانجاز، والذين يطالبون الحكومة بسرعة التنفيذ ومحاسبة المتورطين في قضايا الفساد عليهم ان يتريثوا قليلا، ويتركوا الحكومة تأخذ وقتها ومسؤوليتها في محاسبة المقصرين؛ محاسبتهم بالقانون، لان سيادة القانون وتنفيذه هو الفيصل في القضاء على متورطي الدخان وغيرهم؛ اما النواب فعليهم الاستمرار في المراقبة بعيدا عن مصالحهم كي تنفذ الحكومة برامجها بشفافية وانتظام، وهو أمر أكده ردها على النواب وهو ما يدعنا الى مطالبة الناس لتغيير وعيهم وعلاقتهم بالدولة والتحول بهذه العلاقة من الاتكالية إلى تحمل المسؤولية، وهذا يتطلب عملا إعلامياً وتربوياً كبيرين لتزويد الأفراد برؤية جديدة للذات وللعلاقة مع الدولة، وهنا لا بد للدولة من القيام بمهامها بقوة وحزم لتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، وزيادة الخدمات التربوية والصحية والاجتماعية وتحسين وسائل الحياة والتمدن والتعاون والاستقلال الثقافي وضبط الزيادة السكانية بالتوعية وربطها بمستوى الحياة. ,إذا أردنا أن نمضي في بناء هندسة اجتماعية قائمة على علاقة سوية بين الدولة وأفرادها لتعزيز السلم الاجتماعي لا بد أن يشعر الناس بحدود الحرية والمسؤولية، وان يعرفوا الفرق بين القول والفعل؛ لأن إشعار الناس بما ينبغي لهم فعله هو أضمن لحريتهم؛ لأنهم يعرفون عند ذلك ما يجب أن يفعلوه وما يجب ان يقدموه.

الأردنيون على اختلاف مشاربهم ومنابتهم مطالبون بتحمل مسؤولياتهم، خاصةً ان الظروف المحيطة بِنَا حساسة ودقيقة، فلا نسرف بالتشاؤم، ولا نسمع للمهاترات والمزايدات، والذين لا يعرفون الانتماء لأنفسهم لن يعرفوا الانتماء للوطن والأمة، ولن يكونوا دعاة انتماء للوطن، والانتماء للوطن يكون بالذود عنه اليوم قبل غدٍ ضد الخارجين على القانون، والدفاع عن منجزاته وتراثه وحضارته وقيمه ومبادئه، ولابد أن يُبنى هذا الانتماء على الصدق والصراحة والموضوعية والثوابت الحقة التي تعلي البنيان وتهدم المصالح الذاتية والأنانية، وعلينا ألا نسمح لأحد مهما كان مشربه أو وزنه أن يفتك باستقرارنا وأمننا وهدوئنا. وبعد، لنترك لهذه الحكومة ان تبدأ عملها، وان نقف معها، وان نعزز احترامها للقيم القارة في علاقتها بشعبها، وأن نلتفت معها لبلدنا لبناء مؤسساتنا الوطنية على قواعد صلبة، وألا نزاود على بعضنا، فلنخلص النوايا للوطن، ولنقرأ الواقع بدقة وعمق قبل أن نحمل أفكارا هلامية بلا معنى لا تقدم ولا تؤخر، لأن عجلة التنمية ترفض اي مسارٍ يعيد البوصلة الى الوراء، ومهما اختلفنا يبقى الأردن وطننا الذي نحبه، حمى الله الاردن من كل سوء.