التركيز على بناء علاقات دولية جديدة ومجتمع المصير المشترك للبشرية، هذا هو الهدف من الدورة الثامنة لاجتماع منتدى التعاون الصيني العربي في بكين وبحضور بارز تشكل من رئيس الصين وحكام ووزراء من (21) دولة عربية. والسؤال الذي يراودني هو هل يا ترى يتقن العرب الصناعة والصياغة السياسية من الصين؟ نأمل ذلك ونرجو أن يتحقق.

فلا يخفى على أحد أن الصين دولة عالمية لها وزنها في معايير وموازين القوى الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية، هذا واقع له مؤشراته نسوق منها للتذكير والقراءة لما بين السطور أنها دولة عظمى وواحدة من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وتمتلك سلاح الفيتو على صعيد الدبلوماسية الدولية إلى جانب الرباعي الدولي (الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا وبريطانيا)، وهي دولة اقتصادية هائلة الموارد والإنتاج تعتبر منافساً لكثير من الدول في العالم، يحسب حسابها، وما لفت نظري أن الحكومة الصينية في الاجتماع الصيني العربي كانت داعماً للقضية الفلسطينية وجوهرها القدس.

فقد أشار الرئيس الصيني (شي جين بينغ) إلى ضرورة حل القضية الفلسطينية على أساس المبادرة العربية وحل الدولتين، معززاً موقفه بإعلان سعيه مساندة القضية الفلسطينية في جميع اللقاءات والمحافل الدولية العالمية إلى جانب تقديم مساعدات بقيمة (100 مليون دولار) لتحفيز الاقتصاد الفلسطيني وتشجيعه على التنمية.

كما أشاد المنتدى بجهود الوصاية الهاشمية على القدس وحفاظها على هوية المدينة ودعمها لحقوق أهلها، موقف نشكرهم عليه وعلى تأكيد شرعيته وأهميته في دعم القضية الفلسطينية، وهو أمر يجعلنا نقف قليلاً ونتأمل، علنّا نستطيع توجيه بوصلة الضغط الدولي من زاوية بدت شعلة نأمل أن نستضيء بها ونضيء طريقنا تجاه الضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

لماذا الصين محط أنظارنا؟

إن العلاقات العربية الإسلامية تعود في تاريخها مع الصين لفترة مبكرة وقد يكون طريق الحرير العظيم شرياناً تتدفق فيه دماء التعاون، وما تلاه من علاقات اتسمت بالسلمية حتى اليوم ولم يسبق للصين أن احتلت أو دمرت أو تآمرت أو استعمرت دولة عربية، كما أن العنصر البشري الصيني المتشكل مما يزيد عن مليار وثلاثمئة مليون نسمة، منهم مئة وعشرون مليون مسلم، إضافة إلى جوارها الجغرافي الأسيوي وضخامة إنتاجها الاقتصادي الذي وفر جانباً مهماً من الأمن الغذائي والسلع المختلفة للعرب كلها عوامل كفيلة أن توحد حالة الطموح والرؤيا المشتركة نحو نيل الحريات ومقاومة دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

والسؤال الذي يجول بخاطري هل فعلاً يحسن العرب التحرك نحو توطيد العلاقات العربية الصينية لتكون الصين حليفاً استراتيجياً لهم. ونحن اليوم بأمس الحاجة لوجود حليف لا تجمعنا معه خلفية عداء سياسي أو نوايا وتصرفات عدائية مسبقة؟ والإجابة التي يحدوها التفاؤل من منطلق ما ذكرت قد تكون نعم، إن الدلائل والمؤشرات والتصريحات تعكس أننا نسير في اتجاه صحيح يمكن لنا استثماره والبناء عليه في دبلوماسيتنا التي يجب أن تنطلق من ركائز عالمية لها وزنها، لذلك ليس هناك بديل سوى الاتجاه نحو بناء خطة إستراتيجية سنستفيد منها في حل قضايانا المعقدة في وقت أصبح فيه العرب بحاجة ماسة لصياغة مشروع نهضوي يحقق لها ما تصبو إليه في ظل دوامة التحديات والأزمات المتعددة سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتتجاذبها الضغوط..

لا شك أن حل القضية الفلسطينية وجوهرها القدس يجعل كل واحد فينا يحاول توسيع دائرة الضغط على الدولة التي تحتل أرضنا المغتصبة في فلسطين علنّا نجبرها أن تنصاع للمطالبات الحقوقية العالمية المنادية بتطبيق قرارات منظمة الأمم المتحدة باعتبارها قرارات الشرعية التي اتفق عليها العالم، بما في ذلك حل الدولتين، ودفعها نحو الابتعاد عن محاولاتها اليائسة والمرفوضة تجاه إجبارنا على الحل الذي لا يعيد بحق قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، ولا يمكن لنا أساساً قبوله وإقناع الأجيال القادمة المتطلعة والتي تشربت الفكر الحر من أن تقبله أو أن تفكر حتى فيه، ربما آن الأوان لنا كعرب مدافعين عن وحدتنا وقضيتنا أن نحسن إتقان استغلال الفرص، ونعيد تأهيل أنفسنا والاتجاه نحو إتقان الصناعة من الصين، بمعادلة جديدة تكاليف قليلة وأرباح كثيرة، فهل يعي العرب الدرس؟ وهل سيستغلون الفرصة هذا ما أرجوه وأتطلع إليه.

وأقولها صراحة وليسمعها العالم كله ستبقى القدس لنا

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس