منذ الحراك والتطورات التي انبثقت كنتيجة مباشرة لتحرك نخبة الطبقة الوسطى والنقابات والمواطنين، والذي عبر عن رفض كلي للاتجاهات والنهج التنموي الذي اتبعته الحكومات عبر سنوات طويلة، منذ بدء عملية الاصلاح السياسي والشامل كانت كل تلك القرارات والاجراءات الاقتصادية والتنموية تعتمد بشكل رئيسي على قراءة عكسية لمفهوم المواطن اغلى ما نملك والتي قصد قيها الراحل العظيم الحسين بن طلال ان المواطن هو محور عملية التنمية وهو اساسها وهدفها ولكن الحكومات المتعاقبة كانت ترى ان المواطن هو المرجعية المادية لسد الثغرات والهفوات عندما يفشل اي مشروع تنموي.

فكانت تعتبر جيب المواطن المنقذ معتمدين على وعي الشعب الاردني بأن اي تحرك من اجل القضايا المطلبية سيؤثر بشكل او بآخر على نعمة الاستقرار والأمن اخذا بعين الاعتبار الواقع الاردني الجيوسياسي والمخاطر المحيطة حوله، ولكن في مرحلة الانفتاح السياسي والاقتصادي والشفافية والديمقراطية الناشئة التي رسخها جلالة الملك في وجدان ووعي الاردنيين والذي اصبح عنوانا يدشن مسيرة الاردن ويجسد قيم الهاشميين في محورية المواطن الاردني وانه الرافعة الحقيقية للتنمية المستدامة والنمو ضمن خط اصلاحي متدرج يساهم في تنمية وادارة الموارد البشرية بشكل اكثر فاعلية وايجابية كل ذلك اعطى خطا اخضر لذلك التحرك والذي استطاع ان يجسد مفهوم المواطنة الفاعلة من خلال النزول للشارع والمطالبة بحقوقه المطلبية والآنية والتي تعتبر بكل المقاييس من لب كتاب التكليف السامي والتي لم تترجم على الواقع نظرا لظروف الفساد وتفشي البيروقراطية وغياب الرؤية الاستراتيجية للتنمية ادى الى التدخل المباشر باقالة الحكومة وتكليف د. عمر الرزاز لانقاذ ما يمكن انقاذه.

ان خصوصية الواقع الموضوعي ادت لتشكيل حكومة افرزتها مطالب شعبية بغض النظر عن عنوانها "ضريبة الدخل" ففي المعايير تعتبر حكومة الاستجابة السريعة لمطالب الشارع اذن فليس مفاجئا ان تحظى هذه الحكومة وبرنامجها المثالي بثقة الأغلبية النسبية من مجلس النواب والسبب هو عدم قدرة المجلس واعضاؤه تجاوز ظروف التشكيل بالرغم من ملاحظات حول ما بقي من وزراء من الحكومة السابقة وبالرغم من المصطلحات التي يتداولها الشارع والنخب معا مثل، عقد اجتماعي جديد، ونهج جديد ومدونات سلوك، كل تلك المصطلحات قد بينا في مقالة سابقة انها لاتعبر سياسيا واجتماعيا عن متطلبات المرحلة القادمة بانها تعني اعادة هيكلة الميثاق الوطني.

وهذه قضية شرحها يطول وسنتطرق لها بشكل قانوني وسياسيي في مقالة قادمة.

ان ما افرزته النقاشات التي حصلت داخل اطار المجلس اعطت انطباعا بان المجلس مازال غير قادر على تشخيص الواقع السياسي والتنموي المعاصر وعدم فهم لدور المجلس الحقيقي في التشريع والرقابة ما بعد مرحلة اللامركزية فمن الواضح تماما ان اغلب المداخلات اعادت التذكير بالخطاب التقليدي القائم على المكتسبات الخدماتية المناطقية والخاصة في الألوية والمحافظات ولم يرقى مستوى الحوار للمستوى المطلوب وهو الميكانيزم والادوات وآليات التنفيذ لما طرحته الحكومة من برنامج لتسوية الاوضاع ووضعها في نصابها الصحيح لهذا السبب لا بد من التركيز في المرحلة القادمة على اعادة النظر في التشريعات الناظمة للحياة السياسية وبخاصة قانون الانتخابات وقانون الاحزاب وبذل الجهد المطلق للوصول لحكومات برلمانية للخروج من عنق الزجاجة الخدمي المناطقي اي الهموم العامة للسياسات الوطنية عندها فقط نستطيع الاعتماد كليا على البرلمان الاردني في التعبير عن طموحاتنا وآمالنا والأهم من كل ذلك افساح المجال امام تطوير وتوسيع دائرة صلاحيات مجالس المحافظات وتمكين قانون اللامركزية اي الاستقلالية الادارية والتنظيمية والتنموية اعتمادا على دليل احتياجات المواطنين وبذلك ينتزع من وعي المواطن والنائب السمة الخدمية التي التصقت بالنواب على مدار تاريخ الدولة هذا هو المخرج الحقيقي والواضح الرئيسي لبرلمان معبر عن الطموحات وحكومة تترجم برنامجا واضحا خارج اطار الشعارات يكون مقرونا بآليات تنفيذ واضحة ومحددة بزمن تحاسب على اساس تنفيذها لبرنامجها السلطة التنفيذية وبمراقبة حقيقية وفاعلة خارج اطار المحاصصات التقليدية في تشكيل الحكومات نتمنى لحكومة الرزاز ان النجاح في تطبيق برنامجه المثالي وسنكون كنشطاء سياسيين داعمين دائما للمواقف الايجابية وواقفين ضد اي انحراف عن استكمال مهام الاصلاح الشامل والمتدرج والذي يقودة باقتدار جلالة الملك المفدى.

dr.fayez.basbous@hotmail.com