الان وبعد مرور اكثر من (9) شهور على استفتاء كردستان، بدأت الامور تعود لسابق عهدها في الاقليم رغم ما احدثه الاستفتاء من مخاضات، وابرزها خسارة النفوذ في كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها بين بغداد وكردستان. وبالرغم من ذلك فاني ارى ان ما فعله الرئيس مسعود بارزاني بالرغم من صعوبته، يمكن تسميته ب "الاشتباك السياسي الايجابي" الذي افضى لكشف المواقف الحقيقية لبعض الاطراف المعنية بالتسوية السياسية في العراق، مما بات يملي على القيادة الكوردية اعادة النظر بمواقفها تجاه بعض تلك الاطراف و"نحت"مواقفها مجددا تبعا لتلك المواقف. كما ان موضوع الاستفتاء حرك المياه الراكدة "الاسنة"مما يتطلب سياسيا على الصعيد الكردي البدء باستثمار الوضع الجديد لاعادة "حياكة" قصة الوطن الكوردي مجددا وعلى الطريقة الكوردية التي تناسب " المقاس الوطني"سواء كانت تلك الحياكة على طريقة "الرئيس" او على طريقة"نيجرفان"ومن عاش اجمل ايام حياته في كردستان لمدة ( 5 ) سنوات كما عشتها انا سيفهم تماما ما اقول .

تلك مقدمة متواضعة مباشرة وحيه لما ساطرحه تاليا، وكل ما ارجوه ان تتسع العقول لادراك ما اقول وسبر اغوار طرحي بافئدة ليس عليه اغلافها، فانها لا تعمى الابصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور .

منذ سقوط صدام، باتت ايران ومن خلال سيطرتها على مقدرات الوطن العراقي تقف على تخوم الدول العربية السنية المحاذية للعراق ـ فايران تقف على حدود الاردن و على حدود السعودية و على حدود الكويت وسوريا وكذلك اقليم كردستان الذي لم يسمح لها بالتمدد شمالا لعمل اتصال مباشر على الارض من اقصى شمال كردستان نحو سوريا ولبنان، وهذا كان مطلبا جوهريا ايرانيا لغاية الان لم تستطع ايران تنفيذه رغم المغريات التي تقدمت بها للجانب الكوردي، والذي دفعت كردستان مقابله خسارة في كركوك ومناطق اخرى بسبب مواقف بعض الدول المخجلة وعلى راسها اميركا والتي خذلت الكورد بصفة عامة في فترة الاستفتاء. ولست هنا بصدد الحديث عن ذلك الان فهذه المواقف باتت واضحة ومفهومة لكل من له علاقة بالشان الكوردي .

ما حدث بعد الاستفتاء بات يحتم على القيادة الكوردية اعادة جمع شتاتها السياسي واعادة بناء عقدها الاجتماعي مع المواطنين لتمكين الجبهة الداخلية اكثر والاستعداد للعمل السياسي القادم اخذين بعين الاعتبار ما حصل، واستعدادا "للهجوم السياسي المعاكس"الذي من شانه اعادة طرح "القصة"الكوردية بابعاد جديدة ورؤى مختلفة.

لقد ناضل الكورد عبر اجيال و اجيال على كافة المستويات للحصول على حقوقهم للعيش بحرية وعزة واباء، وتمكنوا خلال مراحل النضال من ان يؤسسوا فعلا سياسيا افضى بهم للحصول على الحكم الذاتي، وكانوا قاب قوسين او ادنى من الحصول على استقلالهم الكامل. لقد صدق احد الجنرالات الاميركيين حين قال لي في اربيل، ان ما بين كردستان و الاستقلال"برداية"فما علينا فعله فقط هو ان نفتح البرداية ليتم اعلان قيام الدولة الكردية. نعم كردستان كانت ولا تزال تقف ما بين كونها اكثر من حكم ذاتي واقل من دولة قياسا على واقعها الديموغرافي.

حقيقة فانه و بالنظر الى واقع العراق الحالي الفاسد على مستوى قيادته الحالية و السابقة، والظالم على مستوى "طائفته" الحاكمة المستبدة، يدعو كل من له ذرة عقل الى فعل كل ما يمكن فعله للخروج من تحت عباءته السوداء المقيتة، المتوجة بعمامات الملالي المستبدة والروح الفارسية الغاشمة.الكورد يعانون، العرب السنة يعانون، الشارع العراقي الشيعي يعاني، الكل يعاني، فمتى سيحدث الانفراج؟

لا يزل العرب السنة في مناطق الانبار يراوحون مكانهم بسبب قيام بغداد باختراقهم امنيا وبث الفرقة والخلافات بينهم وشراء ارذلهم من الناس بالمال والجاه، واستمالة بعضهم .وارى بانه لن تقوم قائمة لهم الا بعمل تحالف سياسي مع الاكراد ثم تعميق هذه التحالف الى المستوى الاجتماعي والاقتصادي والامني . لقد التقيت بالكثير من القادة الكرد الذين كانوا ولا يزالون يعبرون عن رغبتهم في فتح علاقات جوار ايجابية مع عرب الانبار وتجسير العلاقة معهم وصولا الى انشاء "هلال سني"مقابل للهلال الشيعي البغيض، حيث ان هذا الهلال السني، وفي حال انضمت اليه السعودية والاردن سيشكل سدا طبيعيا وسكانيا ضد الهلال الشيعي، وانضمام الانبار الى هذه الرؤية سيمكن سكانها من البدء في تأطير دولتهم تدريجيا والخروج من تحت العباة الفارسية الشيعية السلبية. قد يقول البعض ربما ان هذا الطرح يحتاج لدراسته منطقيا قبل التفكير فيه؟انه منطقي بحكم التحول الديموغرافي الذي شهده العراق. هل التفكير والبدء بانشاء انبوب نفط من البصرة الى ميناء العقبة الاردني منطقيا؟اذا كان كذلك فلماذا لا يكون انشاء انبوب نفط من كردستان للاردن منطقيا ايضا خاصة اذا ما تم تاهيل خطوط التابلاين. لقد اصبحت بغداد فارسية بكل معنى الكلمة، وحلم"وحدة "العراق حلم ساذج لمن يروجون له، وان الاوان للسنة العرب ان يبدأوا بالفعل السياسي الخاص بهم الذي صودر من قبل فئات شوفينية .

ان افضل ما يمكن للعرب في الانبار القيام به هو عمل"اتحاد دولة"بشكل ما مع الاكراد، فكلاالجانبين يمتلكان مؤهلات قيام مثل هذه الدولة .ويمكن تعزيز هذه الفكرة وتطويرها بدعم من الاردن والسعودية. وستكون هذه المنظومة الاتحادية اقوى وافضل اذا ما اضيف اليها "المناطق المتنازع عليها " بين الكورد وبغداد، وهذا مايتطلب ايضا التنسيق مع تركيا لدفع هذه الرؤية للتبلور، وهذا سيخفف من هواجس الاتراك بخصوص مطالبه كورد تركيا باي حالة انفصالية بعد ان يتم ترسيخ وجودهم في دولة تضمهم تمتد من اقصى شمال سنجار الى الشمال الغربي مع الانبار وصولا الى الحدود الجنوبية مع دول الخليج. وبمثل هذه الانضمام يتم الانتهاء من قضية المادة 140 التي كان لها تأثير كبير في زعزعة الاستقرار السياسي في العراق وخاصة على صعيد العلاقة بين الاقليم وبغداد .وهذا الطرح سيجعل الدول المحاذية للعراق مثل الاردن والسعودية ترتد الى حالة ذهنية اقل اضطرابا وتردداً، فيما يخص التعامل مع ايران وامتداداتها في العراق. الاردن لن يتأثر من وقف انسياب النفط العراقي مثلا في حال توفر البديل الكردي. فناقلات النفط التي تنقل النفط من كركوك الى الاردن والتي تقطع( 1100) كم برا، للوصول الى كركوك يمكنها ان تقطع مسافة( 90 )كلم اضافية لتحصل على النفط من كردستان ربما باسعار تفضيلية اكثر جدوى من اسعار بغداد .وهذا الفعل بحاجة الى مظلة سياسية من الدول الفاعلة ( اميركا، بريطانيا، اسرائيل ) فما فائدة التحالف مع تلك الدول اذا لم ياتيني منها فائدة صريحة واضحة تقوم على مبدأ تبادل المصالح .!!

قد يكون الطرح الان نموذجيا خالصا الا انه بحاجة الى من يؤمنون به ويتخمونه بالدراسة والتفكر، لجعله حقيقة واقعة ...فالاحلام الكبيرة تبدأ بفكرة صغيرة ..نعم ...انشاء دولة تضم : الانبار، كردستان والمناطق المتنازع عليها، فكل سكان تلك المناطق يجمعهم هم واحد ويوحدهم هدف واحد ،،وليكن اسم تلك الدولة "العراق الجديد"..مثلا !!فهل من تعليق؟ التعليق الاخير هو ان اقليم كردستان بوضعه الحالي عسكريا وامنيا يمكنه توفيرحماية لهذه الدولة الى مستوى جيد، ويزداد هذا المستوى في حال لقيت الفكرة مباركة من المعنيين.