استكمالاً للمكتسبات السياسية التي يحصدها الكيان الصهيوني كنتيجة طبيعية لغياب الدور العربي الفاعل والدور الإسلامي المستتر وغياب القضية الفلسطينية عن أجندة الشعوب العربية والإسلامية، أقرّ الكنيست الصهيوني قانون الهوية القومية وهو القانون الذي يقر يهودية الكيان الصهيوني والذي يعني بكل وضوح أن كل مواطن في الدولة المزعومة بالكيان الصهيوني يجب أن يكون يهودياً بانتمائه ودينه وشعائره وحتى عمله، أي أن كل مواطن ليس يهودياً بانتمائه الروحي وعقيدته يعتبر مهاجراً، أي أنه لا يمكن أن تمنح له الجنسية إلاّ إذا خضع لبعض القوانين العلمانية والإنسانية التي تغلف بالشكل حقوق الإنسان في الكيان الصهيوني، ليس غريباً على الطغمة الحاكمة في الكيان الصهيوني، وعلى رأسها نتانياهو والذي يقود ائتلافاً متطرفاً للبقاء في الحكم أن يتخذ مثل هذه القوانين والتي لم يكن يجرأ على الاقدام عليها في أي مرحلة من مراحل التاريخ إلا بعد ما شهدته المنطقة من تحولات حقيقية وتغير جذري في الرأي العام العالمي المتجه نحو الشعبوية والتعصب الديني والانغلاق الفئوي والطائفي، ونتيجة أيضاً للتغيرات الجذرية التي حصلت كنتيجة طبيعية لأستغلال ثورات الربيع العربي لخلق الفوضى في المنطقة، والتي أدت بشكل مباشر إلى انتماء كلي دون قيد أو شرط أو خجل دبلوماسي على الأقل في أحضان المشروع الصهيوني مرتكزاً على فوضوية القرارات التي تتخذها الادارة الأميركية وعلى رأسها دونالد ترمب من أجل تحقيق حلم الحركة الصهيونية التاريخي في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين المحتلة والتنصل التدريجي من تعهدات الحركة الصهيونية العالمية للأمم المتحدة، بأن الدولة العتيدة ستكون دولة علمانية وديمقراطية تتعامل مع كل مواطنيها بكل مساواة دون التفريق على قاعدة الانتماء العرقي أو الطائفي أو الديني.

وكانت هذه المرحلة هي الأكثر ملائمة لتكشف الحركة الصهيونية عن وجهها الحقيقي القائم على الأبعاد الشوفينية والعنصرية والفاشية، إن الأبعاد الحقيقية وانعكاسات ذلك القرار ستكون كارثية على مجمل القضية الفلسطينية، وسنركز هنا على الجانب الأكثر خطورة وهو التمهيد للخلاص من الأزمة الديمغرافية للكيان الصهيوني ونعني هنا الخصوبة التي يتمتع بها فلسطينو الـ 48 أو الخط الأخضر، والذين سيشكلون إذا ما أستمر ذلك النمو 50% من حجم الكيان الصهيوني بعد خمسة عشر عاماً.

فهذه الأزمة الديمغرافية هي بالأساس جوهر هذا القانون وهو موجه بشكل مباشر إلى هذه الفئة من الشعب الفلسطيني وبشكل غير مباشر من أجل ترسيخ مفهوم الدولة الدينية لتبرير التهويد الحاصل في مدينة القدس خاصة تحت شعار النقاء الديني والعرقي كما يدّعون أنه القانون الأكثر فاشية الذي يتطابق بكل تصوراته ومرتكزاته مع النازية الألمانية والتي كانت دائماً وأبداً تمجد العرق الجرماني وتجعله قائداً لكل الأعراق، وهذا ليس غريباً عن الحركة الصهيوينة كونها إنطلقت من إطار أيدولوجي واضح وهو شعب الله المختار فهذا المنطلق الايدولوجي هو ركيزة الحركة الصهيونية على مر الزمان، وأن هذا الشعب هو قائد ومختار من الله سبحانه وتعالى وأن خيار الآله نافذ ومطلق ولا يخضع للتأويل البشري.

إن هذا المرتكز هو محور الحركة الصهيونية وسبب وجودها وأن التهويد والوصول إلى هذا التشريع والقانون كان الهدف الرئيسي منذ انطلاق الحركة الصهيونية العالمية قبل مئة عام، فهو يعتبر تتويجاً لعمل الحركة الصهيونية منذ انشائها، وهنا تكمن الخطورة ففي مرحلة من التاريخ عندما وافق الكيان الصهيوني على اتفاقية اوسلوا كان هدف منظمة التحرير والدول العربية هو القضاء على حلم التهويد وذلك بقبولها لدولة اسلامية فلسطينية على أراضي (اسرائيل التاريخية) ولكن التحولات والتجاذبات والضعف والترهل العربي والإدارة الأميركية المعاصرة، والتناغم مع مشاريع التطبيع المتسارعة مع هذا الكيان ومنذ ردت الفعل على نقل السفارة والتي كانت مفاجأة حتى للكيان الصهيوني كونها جاءت دون ضجيج ودون تأثير وعلى العكس تماماً فقد روجت لها بعض الأوساط العربية ولم تتخذ أي دولة قرار بمعاقبة الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، كل ذلك جعل الطريق مفتوحاً أمام تهويد الكيان الصهيوني وبخاصة القدس والذي يمهد بتجليه الأخطر في ما سيواجهه فلسطينيو الـ 48 من تهميش لحقوقهم التاريخية والتعامل معهم من منطلق هذا القانون العنصري والذي يشكل أقبح أشكال الأبارتهايد، والفصل العنصري سيؤدي بالضرورة إلى عودة نفخ الغبار عن ملف الترانسفير أي التهجير القسري لما تبقى لعرب الـ 48 في حيفا والمثلث والنقب والجليل إلى الأردن واعتباره الوطن البديل والذي يجب أن يحتوي كل فرد أو مواطن ليس يهودياً بانتمائه الديني، فالأردن هو الهدف الحقيقي للمشروع الصهيوني، ولذلك ندعو القيادة الرسمية والقيادات الشعبية للوقوف بحزم أمام مشروع التهويد وأن لا يعتبر هذا القانون يخص الشعب الفلسطيني وحده وإنما يستهدف الأردن كوجود.

dr.fayez.basbous@hotmail.com