بعد أن حصلت حكومة الدكتور عمر الرزاز على ثقة مجلس النواب بعد ماراثون استمر خمسة أيام حفل بكثير من الرسائل والمواقف والانفعالات التي لبعضها مبررات فيما غاب عن أذهان الذين ذهبوا بعيداً في انفعالاتهم او مزايداتهم ان ما يحكم العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية بل وباقي مؤسسات الدولة وافراد المجتمع هو الدستور والقوانين ذات الصلة وان الطريق الى تصحيح اي اختلالات او تصويب المسارات انما يتم وفق آليات وأنظمة تكفل حق الجميع ولا تجعل من المنصب أو الدور أو الطموح سداً أو حائلاً أمام بروز الحقيقة وتسيّدها.

حصول الحكومة على ثقة نواب الشعب يفتح الطريق امامها لتكريس فضيلة تحويل الأقوال الى أعمال وبخاصة انها امام تساؤلات السادة النواب لم ترتبك أو تتلعثم بل أخذت في الاعتبار الملاحظات والأسئلة التي طرحها النواب وفق ما أكد الرئيس الرزاز أن جميع الملاحظات والآراء والأفكار التي طرحت ستحظى بكثير من الاهتمام بعد ان تم توثيقها وهي بالتالي جزء من النقاشات الحيوية التي جسّدت ديمقراطية تعكس الحرص على المصلحة الوطنية.

هنا ربما تكمن النقطة الجوهرية والتي يجب وبالضرورة ان ينطلق الجميع منها وعلى هديها وهي المصلحة الوطنية التي تستدعي من كل اصحاب الشأن أهالي وحكومة ومجلس نواب ومؤسسات وطنية اخرى ان يتريثوا قبل اطلاق الاحكام في اي قضية توافقية كانت ام خلافية وبخاصة اننا امام نقاش وجدل اندلعا حول مصطلح العقد الاجتماعي (الجديد) الذي اعاد رئيس الوزراء الإضاءة عليه وتصحيح بعض القراءات له، وفي مقدمتها ان هذا التعبير ورد في كتاب التكليف السامي ولم يأتِ البيان الوزاري الذي تقدمت الحكومة لمجلس النواب لنيل الثقة على اساس سوى بتعريفه وفق النص الدستوري ما يعني انه ليس مخالفا له وهنا يجب التفريق بين النص الدستوري والتشريعي والقوانين وبين الممارسات لان الممارسات لا تنسجم مع الدستور إلاّ من خلال تطوير التشريعات.

ما افاض رئيس الوزراء في الحديث عنه امام السادة النواب وما اضاء عليه وما طرحه من اسئلة وتساؤلات وتحديداً في ما خص سؤاله عن مراحل سابقة شهدنا فيها تغوّل السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، يفرض علينا واجباً وطنياً يجب ان يأخذ الاولوية على جدول اعمالنا الوطني وهو السعي لترجمة مبادئ الدستور لواقع معاش في ظل البيعة الهاشمية وبالتالي ضبط المصطلحات وتعريفها اجرائياً بعيداً عن الخفة او التفسيرات الخاطئة او تلك النظرة الضيقة التي يراها البعض من زاوية ربما تكون شخصية او فئوية او جهوية او حزبية لا تحظى بدعم الاغلبية او تتوفر على تفسيرات صحيحة لان المطلوب في هذا الشأن هو التركيز على الاوراق النقاشية الملكية وتحويلها الى برنامج عمل.

موجز القول ان ما ادلى به رئيس الوزراء امام السادة نواب الشعب اتسم بالوضوح والصراحة والشفافية المطلقة التي تزيد من الثقة والامل بان حكومة الرئيس الرزاز ليس لديها ما تخفيه وان التفسيرات التي وردت في حديثه امام مجلس النواب تجعل الفرصة قائمة وكبيرة لان تكون مرحلة ما بعد الثقة واعدة تبث التفاؤل وتعيد تصويب الاختلالات التي حدثت في ظل قناعة الجميع بان الطريق صعب وطويل وان مواجهة التحديات المتراكمة سيكون عملاً جماعياً لان المرحلة الدقيقة الراهنة وبخاصة على الصعيد المحلي تحتاج فعلاً جاداً ومشاركين لا مشاهدين في ظل تعهد الرئيس الرزاز بأن الآداء هو معيار تقييم الوزراء وانه شخصياً يتحمل مسؤولية تشكيلة الحكومة ما يعني ان علينا مغادرة الجدل هو هذه المسألة والتركيز على الاداء كي نحكم ما إذا كانت التشكيلة–على ضوء الاداء–كانت موفقة وصائبة ام شابها بعض الخلل.

.. ليترك وزراء الحكومة التي حصلت على ثقة مجلس النواب مكاتبهم ولينخرطوا في ورشة عمل وطنية لان المعيار لم يتغير مع الحكومة الجديدة وهو ان الميدان هو الحكم وهو الدليل على الجدية والانتاجية والانتماء والمصلحة الوطنية العُليا.