الاعتصامات التي نزل خلالها الأردنيون للساحات والميادين في أنحاء الأردن، خلال شهر رمضان من هذا العام، كانت هي المنبر الذي قالت من خلاله كلمتها الأغلبية الصامتة من الأردنيين، التي اعتادت الصبر حتى يملها الصبر، لكنها في اللحظة الفارقة تنطق لتقول كلمتها الحاسمة، كما فعلت في رمضان الماضي.

ما حدث في رمضان الماضي لم يكن المرة الأولى التي تنطق بها الأغلبية الصامتة كلمتها، لا لتحسم القضية محل النقاش فقط، ولكن لتكشف أن الكثيرين من الذين اوصلتهم الصدفة لمواقع صناع القرار، او لمواقع التأثير على صناع القرار، من أصحاب النظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مهما اختلفت مسمياتهم من المعاصرة إلى الليبرالية إلى الحداثة وما بعد الحداثة، هؤلاء جميعا لا يعرفون شعبنا، ولا نمط تفكيره ولا ثقافته ولغته، حتى وأن تحدث هؤلاء باللغة العربية، فاللغة ليست لساناً فقط، ولكنها ثقافة وروح وإحساس ونمط سلوك وشبكة علاقات من بينها طبيعة العلاقة بين الناس وقياداتهم. هذه الأبعاد المركبة للغة لا يدركها السائح، عندما يتحدث بلغة البلد التي يزورها، لأن هذا السائح يريد أن توصله اللغة لحاجته المادية، دون أن يتمكن من الوصول لروحها وثقافتها، لذلك تظل لغة غريبة عنه وعن تجربته.

علاقة السائح بلغة البلد التي يزورها تشبه بالضبط علاقة بعض الليبراليين الجدد في بلدنا من الذين درسوا النظريات الاقتصادية والسياسية في جامعات الغرب المحترمة منها، وغير المحترمة فكما يعلم الجميع فإن في الغرب جامعات كثيرة غير محترمة، مهمتها أن تصدر شهادات بلا علم إلى بلادنا، لنبتلي بأصحابها وبتجاربهم المستوردة التي سعوا وسيسعون لتطبيقها علينا منذ عقود كان حصادها هشيم، يدفع المواطن ثمنة ضنكا في العيش تتعدد أوجهه، بعد أن فات هؤلاء الجهابذه أن لكل شعب خصوصيته وتجربته ومداه الجغرافي والحضاري، وأن ما قد يصلح لولاية بعينها من الولايات المتحدة الأميركية قد لايصلح لولاية أخرى من هذه الولايات، فكيف تريدونه أن يصلح للأردن والأردنيين.

إننا لا ندعو إلى إغلاق الأبواب والنوافذ والانعزال عن العالم، لا ليس هذا هو المطلوب. لكن المطلوب أن نسترشد بتجارب الآخرين لا أن نستنسخها استنساخاً، دون أن نراعي السياقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية لشعبنا، كما فعل ويفعل الليبراليون الذين وصل بهم الأمر حد الترجمة الحرفية لبعض القوانين بهدف فرضها على الأردنيين، كما قيل عن مشروع قانون الضريبة، الذي دفع الأغلبية الأردنية الصامتة لقول كلمتها وإصدار حكمها بدفن مشروع القانون، لعل العقلية التي وقفت وراءه تدرك أنها لا تعرف الأردنيين، ونمط تفكيرهم، وطرائق سلوكهم، ولحظة قولهم كلمتهم الحاسمة، كما حدث في رمضان الماضي.

ماحدث في رمضان الماضي لم يكن الحالة الأولى والوحيدة التي تقول فيها الأغلبية الأردنية الصامتة كلمتها، التي قلبت الموازين فكثيرة هي المفاصل التاريخية التي صنعتها هذه الأغلبية الصامتة، وللتذكير فقط نقول لأصحاب الذاكرة المثقوبة إن الأغلبية الأردنية الصامتة، هي التي منعت حلف بغداد من المرور، وأن هذه الأغلبية هي التي حمت ظهر الحسين في قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش، مثلما حمت ظهره في إنحيازه إلى أمته في حرب الخليج وتحملت كل تباعات هذا الإنحياز، وهي التي حمت الوطن من تداعيات ما سمي بالربيع العربي، ومنعت كل أصحاب الأجندات المشبوهة من العبث بأمن هذا الوطن واستقراره، وهي الأكثرية التي التفت حول عبدالله الثاني ابن الحسين في وقفته التاريخية دفاعاً عن عروبة القدس، وتمسكاً بمقدساتها الإسلامية المسيحية، لذلك لم يكن غريباً أن تسقط الأكثرية الصامتة حكومة هاني الملقي عندما لم تتقن لغة الحوار معها، فماذا ستقول هذه الأغلبية لليبراليين الجدد الذين لا يفهمون لغتها؟ فالحذر الحذر من الأغلبية الصامتة إن حكت.

Bilal.tall@yahoo.com