لم يعد خافيا على أحد في الداخل الأردني سياسيا، أومهتم بالشأن الوطني أو مواطن يأمل أن ينهض الأردن من محنته، ويتجاوزالتحديات التي تؤرقه داخليا وخارجيا، بان إدارة ملف السياحة الداخلية في الأردن بحاجة لأساليب جديدة متطورة ومبتكرة للارتقاء بها للمستوى الذي نتطلع إليه كأردنيين أولا، ويليق بحضارة وتاريخ ومقدرات هذا الوطن الحبيب ثانيا.

كل ما مر ويمر به الأردن من أحداث متلاحقة، وما مر ويمر بالوطن العربي من ويلات دامية متتابعة، خلقت في هذا الشعب العظيم وعيا مختلفا، وصقلت هذه التجارب المتراكمة فيه نضجا عميقا، ورفعت التحديات والصعاب والأزمات لديه من منسوب الحس الوطني والانتماء الراسخ لهذه الأرض الطيبة.

من هنا جاءت مبادرة "كنت في البتراء"والذي تقدم بها الأستاذ الدكتور محمد الفرجات والدكتور هاني الفلاحات، وإطلقت من المدرج المفتوح في كلية البتراء للسياحة والآثار، من خلال توقيع مذكرة تفاهم بين الجهات المعنية، احتفالا بمرور 11 عاما على اختيار البتراء كإحدى عجائب الدنيا السبع.

تهدف المبادرة لجمع أرشيف صوري عالمي لزوار البتراء منذ اكتشافها عام 1812 وبداية عصر التنوير، لتسجيل أكبر أرشيف صوري رقمي محوسب في العالم، ومن ثم استثماره لترويج الأردن سياحيا وثقافيا، وسيتم توظيف ريع المبادرة لصالح مركز الحسين للسرطان، وحماية البترا ودعم مؤسسات المجتمع المحلي فيها، وسوف يتم التعاون مع مختلف الجهات المعنية في القطاعين العام والخاص لإنجاحها، وتصدى للعمل فيها حوالى مئة شخص، وتبنتها شركة رفاهنا للتطوير والاستثمار، ويعمل الكادر المهتم بتطويرالمبادرة وتنظيمها لتوفير الدعم، وتفعيل دورالقطاعات المعنية، وحشد الشركاء، والتواصل مع جهات تؤمن استمرارية هذا المشروع، والعمل لإنجاحه وإخراجه من رحم الحلم لأحضان الواقع.

هذه الروح الوطنية والشعور بالانتماء والولاء، وهذا العمل الجماعي، والفكر المتقد المبدع الخلّاق، والسواعد الأبية والأيدي المتشابكة، يخلق فينا يقينا بأن إرادة هذا الشعب المكافح عصية على الاستسلام.

اما الوجه الآخر للمبادرة، فيتعلق بمسائل جوهرية وإن بدت جانبية، وهو ملف السياحة الداخلية والتعامل معه بطريقة مغايرة، خارج النمطية البيروقراطية التي لا تناسب ومستجدات العالم من حولنا، الأردن اليوم بحاجة لهمة بناته وأبنائه جميعهم، والجيل الشاب ينبت اليوم همة ونشاطا وعملا، ويزهر أفكارا متجددة وإبداعات متواصلة، ويثمر خلقا فريدا لم نعهده.

الدولة الأردنية اليوم بحاجة لاستثمارالطاقات الشابة وتوظيف تطلعاتها وآمالها ومشاريعها بما يخدم الوطن والمواطن، ويمكن استنساخ المبادرة على مواقع سياحية أردنية أخرى، كذلك يمكن أن تنير هذه المبادرة مشاعل مبادرات أخرى قريبة منها أو مغايرة لها، كما يمكنها أن تكون نواة عصف ذهني، للبحث في جوانب القصور المختلفة في السياحة الداخلية، والتي من الممكن تشخيصها وعلاجها لضخ دماء جديدة تنعشها، وتؤثرفي مؤشرها الاقتصادي.

الأردن يمتلك مقومات سياحية، تؤهله ليلعب دورا متميزا على خارطة السياحة الإقليمية والعالمية، ذلك أن السياحة فيه تعتمد على آثار حضارات ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، تسبر أغوار الأديان السماوية المختلفة، وتحكي قصص شعوب هاجت وماجت فوق الأرض ومن ثم اندثرت تحتها، وصبية ناموا سنين طويلة واستيقظوا، وأقوام عاثوا في الأرض فسادا فسخطهم الله بغضبه، وقبائل شقت طريقها للحياة في الصخر، ومعارك تلطخت ساحاتها بدماء شهداء سقطوا وما سقطت راياتهم، وزفروا أنفاسهم وما زهقت قناعاتهم ويقينهم.

الأردن وطن بحجم الحب... ثري بتنوع تاريخي ثقافي حضاري فكري ديني عرقي فريد، حري بأن نرعاه ونتبناه ونزهر به ومعه وله، كمواطنين نحن نتقدم كل من موقعه بمبادرة هنا ومبادرة هناك، نحاول جاهدين أن نغرس نبتة هنا ونبتة هناك، ولكن الوطن بحاجة إلينا جميعا لنغرس معا اليوم الأفضل.. فيحصد أبناؤنا غدا الأجمل...

#كنت_في_البتراء

dr.ayahalasmar@yahoo.com