"الوقاحة الإسرائيلية ربما لم تصل إلى نهايتها" عبارة يصرح بها الكاتب التقدمي الإسرائيلي جدعون ليفي واصفاً ومؤكداً على سلسلة الانتهاكات وجرائم التنكيل التي تمارسها إسرائيل في المدن والقرى الفلسطينية الذبيحة أمام سمع العالم وبصره، هذه الوقاحة التي لم تردعها العشرات من القرارات والوثائق التي رفعتها وأصدرتها المنظمات العالمية المعنية، غير ان معاناة أهلنا في فلسطين لا يمحو وجعها ويطبب جراحها النازفة الوعود والضمانات والتصريحات التي يطلقها كل المتضامنين مع شعبنا في فلسطين. وهم يعلمون بأنها لا تؤدي فعلها المرجو في الضغط على إسرائيل.

ومما يزيد القلب وجعاً هو شراسة الهجمة الإسرائيلية على الخان الأحمر فعلى الرغم من ان وقع اسمها (الخان) والذي يوحي بتوفير الطمأنينة والراحة والحماية للقاطنين فيها والمارين بها حجاجاً ومسافرين إلا انها ولقلة حيلتها أمام جحافل الظلم والظالمين لم تستطع ان تقي نفسها صليات النار المستعرة التي أشعلت من تحتهم وفوقهم، ان الحسرة والألم يعتصرنا جميعاً ونحن نشاهد بدموع من دم التسجيلات المباشرة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي في ظل غياب كامل بفعل إسرائيل للإعلام العالمي، لأنهم أرادوها حرباً وتهجيراً بعيداً عن عيون العالم، ولكن صرخات النساء وبكاء وعويل الأطفال وأصوات الرجال المقهورين بعجزهم الدفاع عن أراضيهم وأعراضهم نطالعها يومياً لتشعل في ضمير كل واحد منا صحوة عنيدة توجب علينا بذل المزيد من الجهود لكشف هذه الجريمة التي تستهدف فصل القدس عن كل ما هو فلسطيني أرضاً وإنسانا وتحريك الرأي العام العالمي ضدها علنا نقدم القليل القليل تجاه هذه القلة المغلوب عليها في أصقاع الأرض.

أين نحن من جرأة وإخلاص المدافعين عن حقوق الإنسانية؟ وأين نحن من تلك النماذج المناضلة؟ أين نحن من الضمائر الممزوجة بشرف الكفاح ونبل العطاء؟ فما قام به الرحالة الشاب السويدي (لادرا) كان بحق مثالاً على نبل الموقف الايجابي اللامتناهي عندما سار على أقدامه من السويد إلى فلسطين في رحلة طويلة بلغت 14 ألفا و800 كيلو متر زار خلالها 15 بلداً ينشر فيها موقفه المندد بجرائم إسرائيل وهذا الرحالة السويدي المؤمن بالحريات فاق دوره آلاف الكشافة العرب، غير أن إسرائيل منعت دخوله الأراضي العربية المحتلة في فلسطين.

وان كان موروثنا الحضاري العربي الإسلامي مليئاً بنماذج تشبه موقف هذا الرحالة الشريف فقد عمد الرحالة الجغرافي ياقوت الحموي (المتوفى في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي) إلى تسجيل جرائم هجمات التتار على مشارق إمبراطورية الإسلام العظيمة، فأين نحن أيها القراء الكرام من هؤلاء العظماء، وما أشبه خصم اليوم بخصم الأمس بربرية ووحشية فاقت كل الموازيين والأعراف، إلا يشعر المجتمع الدولي ومنظماته بالخجل أمام هذه البربرية الإسرائيلية دون فرض عقوبات على سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

نحن اليوم أمام خصم لا يعترف بالمراسم والبرتوكولات الدولية بما فيها العليا فمن المعروف ان للدبلوماسيين حصانتهم في جميع أقطار الأرض وفي مختلف الظروف ما دام الواحد منهم ملتزماً بالقانون والنظام، ومع هذا كله فلم تسمح إسرائيل لعدد من الدبلوماسيين الأوروبيين بدخول الخان الأحمر متذرعة وهي سيدة من يتذرع ويزيف المبررات بان الخان الأحمر منطقة عسكرية مغلقة، منطقة عسكرية على من لا يحمل سلاحاً، من لا يحمل سوى الوجع والألم، ليصبحوا بعرف إسرائيل غرماء عسكريين.

ان كارثة الخان الأحمر الإنسانية تعد فقرة بل حرف تدونه إسرائيل في كتاب عنجهيتها وقهرها للشعب الأعزل، تسجله أحمر بدماء أبناء الخان الأحمر، والأقصى وكل الأراضي العربية المحتلة ليست ببعيدة عن الخان الأحمر تتعرض يومياً لأشد الانتهاكات ان وقاحتهم المستمرة تجسدت مؤخراً في سماح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتانياهو مجدداً للوزراء وأعضاء في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي باقتحام المسجد الأقصى حيث وجه خطاباً استفزازياً منعدم الشرعية والأعراف لرئيس الكنيست (بولي اد لشتاين) يسمح فيه لأعضاء المجلس باقتحام المسجد مرة واحدة كل ثلاثة أشهر تجدد هذا السماح بعد أن كان قد أوقف اقتحاماتهم مؤقتاً في شهر تشرين الأول من عام 2015م، رسالة بغيضة واضحة تهدف إلى الاستمرار في محاولة فرض القوة والاستبداد دون مراعاة إلى أي قيم أو حقوق أو معاهدات واتفاقيات تفرضها المواثيق، وليعلم ان قوة وظلام الاستبداد لا يمكن له أن يصنع للأجيال مستقبلاً حافلاً بالسلام أبداً، فعلى الرغم من مراهنته على الوضع العربي الراهن الذي يعاني التحديات إلى جانب الصمت الدولي وغياب تطبيق تشريعاته على الساحة السياسية العالمية، كل ذلك لا يحقق له هدفه في تهويد القدس ومقدساتها والاستيلاء على كامل الضفة الغربية وتهويدها أو جعل إسرائيل من البحر إلى النهر، وتبقى هذه التصرفات حلقة جديدة من حلقات الغطرسة والتهويد وقلة الدراية والمعرفة بالمستقبل.

فقد آن الأوان للوقوف في وجه عنجهية إسرائيل وعدوانها اليومي المستمر على القدس ومقدساتها والشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة، فعلى الدول الكبرى وممثليها في مجلس الأمن أن تشعر بالخجل لهذا الصمت على هذا العدوان الوحشي الذي تمارسه إسرائيل بحق شعبنا العربي في فلسطين كلها من البحر إلى النهر وآن الأوان لفرض عقوبات رادعة لإجبار إسرائيل على الخضوع لقرارات الشرعية الدولية إن كانت الدول الكبرى تبغي الأمن والسلام لتعيش الشعوب والأجيال في ظل أمن وسلام دوليين.

وقد آن الأوان أيضاً لإيقاف زراعة الحقد والكراهية التي تتولاها إسرائيل في الوقت الذي يسعى العرب والمسلمين فيه لزراعة المحبة والوئام والأمن والسلام.

فالمبادرة العربية للسلام المطروحة على إسرائيل هي السبيل الوحيد لإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ليعم السلم ليس في المنطقة وحدها بل في العالم أجمع.

ندعو الله ان يسلم أهلنا وفي كل شبر من قلب عروبتنا فلسطين الحبيبة.

وأقولها صراحة وليسمعها العالم كله ستبقى القدس لنا.

أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس

rcja@rcja.org.jo