في خضم الكلام في السياسة الذي بات يمارسه الجميع، بدأ بعض من تولوا المناصب العامة وبعض من اعتبروا من فئة السياسيين ما يشبه مرحلة المراجعات الشاملة، واستغلوا هذه المرحلة لإعادة بناء صورتهم والتخلص مما علق بها من شوائب، واختاروا الهجوم على مرحلة ماضية بصورة شعبوية، ورأوا أن شعار استعادة الولاية العامة للحكومة الذي بات يطرب الشعب هو من أفضل الشعارات التي من الممكن الكلام فيها بصفتهم (شهود على العصر).

لا بد من الاعتراف أن معركة الحكومة لاستعادة الولاية العامة هي معركة نبيلة وضرورية ولا بد لكل مؤمن بالوطن والدستور أن يصطف فيها إلى جانب الحكومة، ولكن هذه المعركة كغيرها من المعارك تجذب بعض المتسلقين وبعض من يريدون أن يكونوا في صفوفها الأمامية من غير أن يستحقوا ذلك وبعض من يخرجونها عن مسارها، والأخطر هم أولئك الذين يحاولون تقديم قراءات وأدبيات مسمومة وخاطئة في أساس وفلسفة الفكرة وهي الولاية العامة.

وفي هذا الخضم من الضوضاء أحاول أن أقدم قراءتي لمفهوم الولاية العامة مستنداً إلى الدستور الأردني وما أحاطه من أعراف دستورية غير فاسدة، وأشير بداية إلى أن الدستور الأردني نص على أن نظام الحكم (نيابي ملكي وراثي)، وهناك من حاول أن يفسر تقديم النيابي على الملكي الوراثي عبر إعطاء الأهمية للشعب أو لمن يُبايِع، وفي هذه القراءة عيب جوهري وهو أن النيابة والملكية الوراثية ركنان للحكم ولا تفضيل أو تمييز بين الأركان لأن غياب أحدها يهدم البنيان، وعليه يكون التقديم والتأخير هنا لغاية بيان احترام تمثيل الشعب لا أكثر ولا أقل.

ومن هنا لا بد من التأكيد على النص الدستوري الذي ينص على أن الملك يمارس صلاحياته من خلال حكومته، فالدستور الأردني أكد أن لجلالة الملك صلاحيات، ولكنه حدد الطريق التي يمكن من خلالها تنفيذ هذه الصلاحيات وهي الحكومة، وبالتالي فالحكومة دستورياً هي حكومة جلالة الملك.

هذه الحقائق لا بد من وضعها بعين الاعتبار حين نتكلم عن الولاية العامة، فالولاية العامة تفترض ضمناً أن تكون الحكومة صاحبة القرار النهائي وأن تكون مسؤولة في ذات الوقت عن القرار وتبعاته، إلا أن ذلك لا يمنع أن يتم تقديم المشورة لها من جهات عدة بما فيها الديوان الملكي، ولا يعد ذلك من قبيل التدخل في الولاية العامة، خصوصاً إذا أدركنا بوضوح وبحسب نصوص الدستور أن الحكومات الأردنية هي حكومات مهمات وليست حكومات برامج، بمعنى أن الحكومة تأتي لتنفيذ عدد من المهمات موكولة إليها في كتاب التكليف السامي، ويقاس مدى نجاحها من فشلها عبر مقياسين الأول وهو مدى قدرتها على التعاطي مع الشأن اليومي، والمقياس الثاني هو مدى قدرتها على تنفيذ ما ورد في كتاب التكليف السامي.

تاريخياً كان الديوان الملكي بيت الأردنيين، وكان قادراً على سماع هموم الأردنيين وجس نبضهم، ولهذا فتاريخياً كان الديوان الملكي هو السباق للقيام بمبادرات تنموية واقتصادية وريادية، وكانت هذه المبادرات ترسم شكل المهمات التي تكلف بها الحكومة، أو حتى أنها كانت تسبقها في أحيان كثيرة.

فمن منا لا يذكر المبادرة التي تقدم بها الديوان الملكي وكلف سمو الأمير الحسن ولي العهد آنذاك بمتابعتها، وهي مبادرة الخطط الخمسية، وبعض المبادرات التعليمية ومبادرات في المجالات التقنية والزراعية، والمبادرات الشبابية التي تبنها الحكومة كمعسكرات الحسين، والمبادرات التنموية في مناطق الأردن المختلفة بما فيها مبادرة إنارة الأردن عبر ما عرف لاحقاً باسم (فلس الريف).

الولاية العامة للحكومة لا يعني بأي شكل من الأشكال تفرد الحكومة بالقرار، واستبعاد مؤسسات لها أدواتها المباشرة في معرفة هموم الناس واحتياجاتهم، بل يعني أن تملك الحكومات الشجاعة الكافية لاتخاذ القرار الأفضل المبني على معرفة وتحمل تبعاته، فبالتأكيد لا نريد لأية حكومة أن تكون رهينة لجهة أو مؤسسة ولكننا أيضاً لا نريد أن تصاب الحكومات بالرهاب الذي يمنعها من تبادل النصح والمشورة مع مؤسسات الدولة المختلفة، وللحديث بقية.

roumanhaddad@gmail.com