في محاضرة ألقيتها في أحد مراكز البحث والدراسات الكبرى في نيويورك الأسبوع الماضي بعنوان: "الشعبوية والأنانية الممنهجة للدول مفتاح حروب العصر الحديث" تحدثت فيها بأن العالم اليوم يتجه أكثر نحو الصدام لأن كل دولة بدأت بالتقوقع على ذاتها لحماية منتجاتها وصناعاتها وفرض الضرائب والرسوم وغيرها. و بالنظر الى علم القياس العام للقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية للدول نرى تحولاً كبيراً قد حصل في العقود الأربعة الماضية. فقد شهد النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي منذ العام 1970 إلى العام 2017 تغييرات ديناميكية كبيرة، ولكن بات التأثيرالعالمي متركزاً في أيدي عدد قليل من الدول التي تحكمها طبقة برجوازية تمتلك البنوك والعقارات والصناعات والنفوذ. فهناك فقط عشر دول تمتلك 50 بالمائة من التأثير العالمي بناءً على نفوذها الدولي. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بقيادة العالم بسبب تأثيرها العالمي إلا أن نسبة هذا التأثير قد تغيرت اليوم عما كانت عليه قبل أربعة عقود. واليوم نشهد صعوداً للصين التي حصلت على حصة من النفوذ الاميركي بل وأثرت في مساحات جغرافية كبيرة على حساب الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة نفسها في عدة قارات. كما أن روسيا التي كان لها نفوذ كبير عالمياً إبان عهد الاتحاد السوفييتي قد فقدت جزءاً كبيراً من تلك الهيمنة رغم محاولاتها الحديثة لاستعادة أمجاد الاتحاد القديمة في التوسع الرأسي والأفقي. إن ردة الفعل المجتمعية المعاكسة ضد العولمة تتمثل في الشعبوية والحس الوطني: فما شعار الرئيس الأميركي دونالد ترمب "أميركا أولاً" وخروج المملكة المتحدة من عباءة الاتحاد الأوروبي سوى تكريس لتلك المنهجية التي تنادي بالحمائية للصناعات الوطنية والأفكار وتكريس كل ما من شأنه المصلحة الذاتية للدول على حساب غيرها. موجة تأييد الشعبوية السيادية التي اجتاحت المشهد السياسي للديمقراطيات الغربية في السنوات الأخيرة تزيد من فرص الاقتراب أكثر من ظروف الحرب العالمية الثانية. وبالعودة الى خلاصة المحاضرة التي حضرها نخبة من صناع القرار الأميركي فعلى الصعيد العالمي، يتركز التأثير في أيدي عشر دول فقط تمتلك حوالي نصف نفوذ العالم. اليوم تمتلك الولايات المتحدة 24 في المائة من النفوذ العالمي، ثم تأتي الصين بالمرتبة الثانية بنسبة 14 بالمائة، تليها روسيا بنسبة 7 بالمائة وفق تقديرات أجهزة استخباراتية دولية للعام 2017. أما من ناحية الناتج المحلي الإجمالي فإن نسبة مساهمة الولايات المتحدة من الناتج العالمي للعام 2017 فقد وصلت الى 20 بالمائة بينما ارتفعت مساهمة الصين الى 14 بالمائة مع غياب واضح لروسيا من قائمة العشر الاوائل اقتصادياً لذلك العام. وفي العام 2000 حصلت الولايات المتحدة على الترتيب الأول من حيث مؤشر النفوذ العالمي بنسبة 29 بالمائة، تلتها اليابان بنسبة 8 بالمائة، والمانيا وروسيا بنسبة 7 بالمائة والصين بنسبة 6 بالمائة. ومن ناحية الناتج المحلي الإجمالي، كانت مساهمة الولايات المتحدة لذات العام 25 بالمائة، تلتها اليابان بنسبة 11 بالمائة، ثم ألمانيا بنسبة 6 بالمائة ثم الصين بنسبة 5 بالمائة. وبمقارنة تلك الأرقام بما كان عليه الوضع في الستينيات من القرن الماضي نرى أن النفوذ الأميركي آنذاك في العالم وصل الى 35 بالمائة والاتحاد السوفييتي 11 بالمائة والمملكة المتحدة 6 بالمائة، وفرنسا 5 بالمائة وألمانيا الغربية 5 بالمائة في ظل غياب واضح للنفوذ الصيني آنذاك. وفيما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي، فقد وصلت نسبة مساهمة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في الستينيات من القرن الماضي 26 بالمائة، وألمانيا الغربية 8 بالمائة واليابان 7 بالمائة والاتحاد السوفييتي 6.9 بالمائة في ظل غياب واضح للصين أيضا التي كانت نسبة مساهمتها أقل من 0.6 بالمائة.

وفي الثمانينيات من القرن الماضي بلغ النفوذ الأميركي العالمي إلى 26 بالمائة، والاتحاد السوفييتي 15 بالمائة وفرنسا 6 بالمائة والصين 3 بالمائة. أما فيما يتعلق بالمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، فكانت مساهمة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في تلك الفترة 22 بالمائة، واليابان 11 بالمائة، وألمانيا الغربية 7.1 بالمائة، والاتحاد السوفييتي 7 بالمائة مع غياب أي مساهمة صينية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

نمت العلاقات الاقتصادية بين الدول منذ الستينيات وحتى نهاية العام 2017 بنسبة 350 بالمائة وهذا وحده يعكس كيفية التأثير العالمي في مجموعة الدول اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وعسكرياً وإعلامياً وثقافياً. واليوم ما يجهله الجميع أن الحروب القادمة لن تكون على أرض هنا أو أرض هناك بل على مصنع هنا أو مصنع هناك. لقد وصلنا إلى مرحلة الحروب الحمائية التي تقود إلى الاستفراد بالعالم وهو ما قاد المجتمع الدولي إلى الحرب العالمية الثانية.

makahleh1@gmail.com