عمان - ناجح حسن

يتناول الفيلم الروائي الطويل "بيليه: مولد الأسطورة" لمخرجيه البرازيليين الأخوين جيف ومايكل زيمباليست، جوانب هامة من حياة لاعب كرة القدم البرازيلي الشهير بيليه في تركيز على بدايات ولعه بالكرة المستديرة والتي قادته إلى أن يتبوأ مكانة فريدة في هذه اللعبة الشعبية.

منذ اللقطات الأولى للفيلم الآتية من أحد الأحياء الفقيرة في ساو باولو يلجأ الفيلم إلى تصوير كل هذا الشغف بلعبة كرة القدم حيث يجتمع الكبار في أحد البيوت للاستماع عبر المذياع لتفاصيل مباراة فريق البرازيل يواجه فيها فريقاً منافساً، ويخيم الحزن على الطفل بيليه وهو يتابع عن بعد دموع والده لحظة خسارة البرازيل، ويذهب إلى والده ليطمئنه بأنه سيجلب الفوز ذات يوم إلى الفريق.

من هنا يقوم الفيلم برصد لحظات التحول للفتى الفقير بيليه الذي يعمل ماسحاً للأحذية، ويبدأ في التدريب على إتقان لعبة كرة القدم، ليصبح أحد أشهر اللاعبين، خصوصاً وأن أول فوز له فى دورة كأس العالم التي جرت بالسويد العام 1958 وهو ما زال في السابعة عشرة من عمره عندما حقق وعده لوالده بأنه سيجلب الكأس للبرازيل.

تتتبع كاميرا الفيلم الفترة اللافتة في حياة بيليه التي صعد فيها إلى المجد، متوقفة على العديد من مواقف شديدة القسوة والآلام، لكنها أيضاً لا تخلو من أحلام وآمال تدلل على موهبة الفتى رغم كل أشكال المعاناة والبؤس التي تعصف بعائلته ومحيطه الفقير، فهناك تبرز طموحاته في الالتحاق بهذه اللعبة وحكاياته مع أقرانه الصغار في تجارب متعددة شكلت عالمه الإنساني الخصب المستمد في أجزاء منه من موروث بيئته، كل ذلك أحاط موهبته بالإرادة والتصميم ليتكرس اسمه أسطورة في عالم الرياضة وهو القادم من عالم الفقر المثقل بالمشاجرات.

ويبرز الفيلم دور والد بيليه في الاعتناء بموهبة ابنه وإسناده وحثه على قيم الخير والتسامح ودفعه لأن يتجاوز عن الأمور الصغيرة والكيدية باتجاه ما يتطلع إليه من آمال.

ولعب دور بيليه ممثلان أحدهما في دور بيليه الطفل ماسح الأحذية، والآخر في دور بيليه المراهق ولاعب الكرة في نادي سانتوس بعد أن جرى اكتشاف موهبته.

برع المخرجان في شد انتباه المتلقي ووضعه في مناخ لعبة كرة القدم إلى الفيلم منذ البداية، عندما استخدما شريط الصوت الآتي من المذياع على خلفية سوداء تتحدث عن لحظة فارقة في سيرة بيليه وهو يقود منتخبه إلى الفوز بكأس العالم، ثم ينطلق في معاينة نشأة صاحب هذا الفوز وهو طفل صغير مشاكس يعمل في مسح الأحذية ويتفاعل مع أقرانه الأطفال بلعبة كرة القدم، والتى من أجلها يفعلون الكثير خصوصاً وأنهم يعيشون فى ظل فقر مدقع، يصنعون كرة قدم من مواد بسيطة ومهملات الحي، مثلما يستبدلون كرة القدم بثمار المانجا كرة القدم.

وأكثر مشاهد الفيلم إمتاعاً هي التى يتوجه فيها الفتى الأسمر على مدخل ملعب كبير مكتظ بالجماهير لمباراة كأس العالم في السويد العام 1958 وهو ينظر إلى من حوله خائفاً ومتردداً، حيث يقطع مخرجا الفيلم على الطفل بيليه وهو يمسح الاحذية داخل تفاصيل حياته اليومية الصعبة ففي البعض منها يجيء محملاً بنبرة كوميدية عذبة.

يستهل الفيلم الذي قدم مباراة شائقة فى التمثيل على نحو بديع ، مشاهده بصوت تسجيلي من المذياع يصف اللحظات الحاسمة في مباراة كرة القدم العام 1950 والتي تدور بين فريق البرازيل وفريق الاتحاد السوفييتي، كما يختتم الفيلم أحداثه بمشاهد تسجيلية تصور الأهداف التي سجلها بيليه في عدد من مبارياته الدولية.. وهناك مشاهد تسجيلية أخرى قليلة، لكنها تُمتزج بسلاسة في الروائي بفعل براعة مخرجيه وخبرة مونتيره، مثلما يكشف الفيلم عن إبداع في رحلة كتابته للسينما وهو المستمد من كتاب دونت فيه سيرة اللاعب بيليه بدت فيه معالجة دقيقية للحوار المتدفق المعبر عن حال الأفراد والجماعات في تلك البيئة وهو ما يؤكد مكانة مدير التصوير في الفيلم واختيارات مخرجيه الموفقة لعنصر الموسيقى الذى وضع فيه مؤلفها مقاطع قليلة لكنها شديدة التأثير.. وهو ما تبدى أيضاً في سائر مفردات اللغة السينمائية على مستوى رفيع منها الديكور والاكسسوارات والألوان وتدرج الظل والنور.

وقبل أن يتبوأ بيليه مكانته الرفيعة كلاعب، تدرّج الفيلم في تصوير محطات ومواقف من عذابات بيليه الطفل الذي أدى دوره ببراعة ليوناردو ليما، حيث توزعت على مراحل رئيسة منها وعد والده بالفوز ومرحلة التحدي والإصرار على الفوز أمام فريق مدرسة من أبناء الموسورين استهزأوا به وأطلقوا عليه وعلى سائر فريق الحي بأنهم حفاة الأقدام، كما أطلقوا عليه لقب بيليه المرادف للشتيمة، الأمر الذي شكل قفزة واسعة في رؤيته تجاه ما يحيط به من فوارق اجتماعية وهو ما منحه وعياً إنسانيا يمتليء بالثقة في قدراته ساعده في بلوغ المجد والشهرة الذائعة الصيت.

كما أن الفيلم يبلغ ذروة اللحظة الحاسمة في حياة بيليه، عندما بادر مكتشف الهواة الذي ترك بطاقته مع والده، مثلما جاءت لحظة موت أحد أصدقائه ، الذي جعله يصد عن اللعبة واتجه إلى مساعدة والده في تنظيف دورة الحمامات في إحدى المستشفيات، وكأنه يستسلم لرغبة أمه، التي احتفظت ببطاقة مكتشف الهواة في درجها والتي اكتشفت بلحظة أن واجبها الوقوف إلى جانب ابنها ودعم رغبته، فتكون باتصالها مع مكتشف الهواة السبب في تغيير حياة بيليه إلى الأبد.

فيلم (بيليه) مثير بمناخه العذب وحيوية شخوصه وتفاعلهم مع الحقبة التي سارت فيها الأحداث الحقيقية وهو ينهض على سيرة ذاتية أمينة وخصبة في حياة لاعب الكرة بيليه صاغها المخرجان ببساطة يتفاعل معها الكثير من المشاهدين في كل الأعمار على نحو لافت من المتعة الجمالية والدرامية وهو عمل إبداعي ينحاز إلى بيئته اللاتينية ينأى عن تلك الكلايشيهات وأساليب الإثارة والتشويق المجانية غير الموضوعية، فيه يستلهم مخرجاه المناخ المكاني والزماني ببراعة وإتقان، كما يخلطان فيه الواقع بالحلم وسحر الكرة المستديرة وتتقاطع فيها الشخصيات على نحو مدهش وذلك على خطى "الواقعية السحرية".

وجرى في الفيلم توظيف الأدوار الرئيسة والمجاميع بمتانة لا تخلو من لمسة إبداعية في تقديم سيرة شخصية فريدة ونادرة، زادتها قوة الإخراج وأسلوبيته رهاقة وسلاسة، خصوصاً في الانتقال من مرحلة وأخرى من حياة صاحب السيرة، وهي تداعب ذائقة المتلقي بأطياف من العواطف والميول الإنسانية الجارفة تجاه لعبة كرة القدم بافتتان وجدية تسيران على حافتي الموضوعية والمخيلة الرحبة الآتية من قتامة الواقع وصدق حدوث معجزاته.