صدر مؤخراً في شهر نيسان من هذا العام 2018 العدد الجديد رقم "459" من سلسلة كتاب عالم المعرفة الكويتية, بِ 575 صفحة وبعنوان ملفت للنظر هو "تاريخ المخابرات من الفراعنة حتى وكالة الامن القومي الاميركية", من تأليف "وولفغانغ كريغر" المؤرخ الألماني والمتخصص بالتاريخ الحديث لا سيما تاريخ الاجهزة الامنية, وهو مدرس في عدة جامعات ألمانية وبريطانية وفرنسية. أما الترجمة للغة العربية فكانت للمترجم د. عدنان عباس علي المتخصص بالعلوم الاقتصادية والمدرس في عدد من الجامعات العربية .

ومن الكتاب نقرأ:

"ان تسليط الضوء على الصراعات بين الدول العظمى يؤكد بنحوٍ لا يقبل الشك ان هذه الدول تريد المواجهة !! أي تسعى الى اختبار مدى صمود القوة المناوئة أمام تحديات الخصوم , لكنها لا ترغب في خوض حربٍ مباشرة مع دولة مناوئة عظمى! وهكذا فإن خيارها العملي يكمن بالدخول في حربٍ غير مباشرة .. حرب تخوضها أطراف أخرى بالنيابة عنها, والاستعانة بترسانة العمليات التجسسية و أبواق الدعاية المختلفة , وما سوى ذلك من أساليب أخرى كثيرة.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة لا غرو ان تكتسب عمليات التجسس اهمية لم يكن لها نظير في التاريخ السياسي الحديث, فأجهزة المخابرات لم تعد مجرد وسيلة مكملة لم لدى الدول من قوة سياسية, بل أمست بديلاً من حربٍ باتت القوى العظمى لا تريد التورط فيها, او الانزلاق اليها على خلفية تزايد الترسانة النووية.

وكان الرئيس الاميركي السابق "رونالد ريغان" قد أشار قديماً الى هذه الحقيقة بصريح العبارة حينما قال بعد مرور نحو ثلاثة عقود على الحرب الكورية : "ان الحرب النووية لا منتصر فيها , ومن ثم لا يجوز التورط فيها أبداً" .

ومعنى هذه التصورات هو ان القوى العظمى لم يعد لديها خيار آخر غير خوض حروب استخباراتية من مختلف الاصناف .

وتجدر الاشارة الى ان هذا الخيار تطور بنحوٍ تدريجي و كَيَّفَ نفسه مع خصائص العمليات الحربية.

وحينما نمعن النظر في مراحل هذا التطور فإننا نلاحظ في يُسرٍ انه لا مجال للمقارنة بين دور العيون والجواسيس الذين عاصروا "الاسكندر المقدوني" وعمليات التجسس المستعينة بالكمبيوتر والاقمار الاصطناعية.

وعلى الرغم من هذا البون الشاسع يبقى ثمة تشابه كبير بين المبادئ السياسية الاساسية والاصول العسكرية , التي تميزت بها الدول في عصور التاريخ القديم والعصور الحديثة.

فالفزع من خطرٍ داهم مصدره خصوم هم من أبناء الوطن أو أعداء من رعايا دول ٍ أجنبية يظل يشكل عاملاً مستديماً في سياسات الدول المختلفة , سواء كان هذا الفزع له ما يبرره, او كان مصدره يكمن في هلوسة وجنون اضطهاد.

وتنشأ عن مشاعر الفزع هذه حاجة ماسة الى التجسس على الخصم المحتمل , بغية التعرف على نياته و استعداداته وقدراته, أخذاً للحيطة والحذر واستباقاً لنياته العدوانية.. وهذا هو الاساس السياسي والنفسي الذي كان و ما زال على مر العصور المختلفة التربة المناسبة لتنامي الأجهزة الأمنية عدداً وعُدة ولتكاثر العيون والجواسيس .

والكتاب هذا "تاريخ المخابرات..." ضم عشرة فصولٍ وهوامش, كانت كما يلي:

• الفصل الاول جاء بعنوان: (مناهج وأسباب دراسة تاريخ المخابرات), حيث يشير إلى أربع موضوعات رئيسة لأجهزة المخابرات هي: جمع المعلومات عن الخصم، التأثير المستتر في مجريات الأمور، حماية جهاز المخابرات الوطني من الأجهزة المعادية، والتسلل إلى تلك الأجهزة.

ويطرح المؤلف كريغر تساؤلًا حول اخلاقية عمل الجاسوس أو المخبر، وهل يفرق الأمر إذا كان عبارة عن مهنة، أم كان تطوعًا ! .

ويلفت النظر إلى أن تلك الأجهزة تضم غالبًا الصفوة من المهنيين , حيث كثيرًا ما انحدر العملاء من فئات اجتماعية رفيعة المنزلة، وبعضهم درج على مزاولة المهنة إلى جانب عمله كدبلوماسي أو ضابط أو موظف كبير.

• والفصل الثاني كان بعنوان: (المخابرات في العصور القديمة) ، وفيه إشارات الى ممالك المصريين والفرس والآشوريين وغيرهم، فهذه الإمبراطوريات حكمت لقرون بالقوة العسكرية، وأيضًا بجمع المعلومات ورفع التقارير.

فعلى سبيل المثال عثر في أسوان على نقش صخري ينبئنا بأن تمردًا خطيرًا اندلع في جنوب الإمبراطورية , وأن شخصًا ما أخبر الامبراطور أن شعب كوش المقيم في شمال السودان الحالي قد أعلن تمرده.

• الفصل الثالث بعنوان (خصوم جدد - قوى دينية وفصائل ثورية وثورات مضادة وجماعات ذات ميول قومية ) يتناول فيه المؤلف علاقة رجال الدين بالاستخبارات، والنشاط الاستخباراتي ما بين فرنسا وانكلترا، وفي أوروبا بوجه عام في العصور الوسطى .. فعلى سبيل المثال كانت الملكة "إليزابيث الأولى" لديها شبكة مخابرات جيدة التنظيم.

وفي فرنسا نشأ أول جهاز فرنسي للاستخبارات الخارجية باسم مراسلات لويس الخامس عشر السرية عام 1746.

ويواصل المؤلف رصد التطور الاستخباراتي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في كل من فرنسا وانكلترا وأميركا، وهي فترة شهدت العديد من الأحداث الجسام منها الثورة الفرنسية.

• في الفصل الرابع وتحت عنوان: ( سياسة الدول العظمى والفزع من الثورة) يركز هذا الفصل أكثر على القرن التاسع عشر وسياسة التوسع الاستعماري، وتطور مهنة الاستخبارات وتنظيمها على نحو أكثر دقة، ويستشهد بالتجربة الأميركية، وكذلك الصراع الاستخباراتي ما بين روسيا والنمسا، وقضية دريفوس الشهيرة في فرنسا، حيث اتهم هذا الضابط بالخيانة والتجسس لصالح العدو.

• الفصل الخامس بعنوان ك(ابتداءً من العام 1900- أجهزة المخابرات بين الروتين ومبتكرات التكنولوجيا الحديثة ) حيث تناول المؤرخ كريغر سيرة الاستخبارات على مدار القرن العشرين .

• الفصل السادس بعنوان (الخصوم الأربعة في القرن العشرين: الشيوعيون، الفاشيون, النازيون، الرأسماليون, وإرهابيو العالم الثالث).

الفصل السابع بعنوان (حروب نشبت بين أجهزة المخابرات إبان الحرب الباردة.

• الفصل الثامن كان حول (عمليات سرية: نشاطات تجسسية وإشكاليات تحليل المعلومات).

• الفصل التاسع عن (أجهزة أمنية تنتهك حقوق الإنسان والحريات المدنية بلا رقابة سياسية ).

• الفصل العاشر بعنوان (أجهزة المخابرات, الانترنت والهجمات على الإنترنت).