إربد-أحمد الخطيب

استفادة من عامل الوقت الذي يجري ولا يُجرى معه، وتهيئةً للانغماس بالعصف الذهني بين شرائح المجتمع كافة بمؤسساته الرسمية والأهلية، وانطلاقاً من الرؤية الشمولية لمفردات الثقافة والفكر والفنون، تجري على مَهلٍ إيقاعات التحضير لاستقبال إربد عاصمة للثقافة العربية لعام 2021، المبادرة التي أقرتها اليونسكو على غرار عاصمة الثقافة الأوروبية والتي شرع في تطبيق فكرتها سنة 1996، وبهذا السياق تنتظم الفعاليات الأدبية والفنية والفلكلورية والمعارض المتنوعة على امتداد جغرافية محافظة إربد، مستندة على ذاكرة إربد مدينة الثقافة الأردنية لعام 2007، إيجابياتها وسلبياتها، حيث تتسابق الهيئات الثقافية، تتقدمها مديرية ثقافة إربد، لتفعيل الذاكرة اليومية للإبداع والمبدعين، عبر ترسيخ فكرة النشاط اليومي والأسبوعي النوعي والكمي، ومجابهة الواقع، والانحياز إلى الإنسان وتجلياته، والاقتراب من نبض البلد، لقراءة هذه المدونة والتحضيرات لاستقبال هذا الحدث العربي.

( الرأي) طرحت تساؤلها حول دور المؤسسات الرسمية والأهلية، ودور المبدع، في تأثيث رزمة الأوراق التي سترسم ملامح نجاح هذه التجربة، بمقترحات وأفكار تشكّل واسطة العقد في بناء منظومة ثقافية وفكرية وفنية تكون رافعة لهذا الحدث التاريخي.

" ثقافة إربد": التكامل أساس النجاح

يرى الناقد د. سلطان الزغول مدير ثقافة محافظة إربد أنّ التكامل في الاستعداد أساس النجاح، لافتاً إلى أن عمل مديرية ثقافة إربد على المستوى الثقافي من حيث تسويق المكان والتعبير عن مفرداته الحضارية والجمالية والترويج لمبدعيه ومفكريه وفنانيه، متكامل مع عمل بلدية إربد المتنوع اجتماعياً وبيئياً وثقافياً، ومديرية السياحة والآثار، حيث يجب أن تستغل هذه المناسبة لتسويق إربد بتلِّها العريق وباقي الأماكن السياحية والأثرية فيها، كما أنه يتكامل مع الدور المجتمعي والثقافي للجامعات الموجودة في أراضي إربد، الحكومية والأهلية، وعددها لافت ، وهو يؤشر إلى أهمية المدينة وعراقتها ونوعية سكانها وتميزها.

ويؤكد الزغول في هذا السياق أهمية الانتباه إلى أنّ الاحتفال بإربد عاصمة للثقافة العربية في العام 2021 يتوافق مع مئوية تأسيس الدولة الأردنية القائمة على أسس الانفتاح والتسامح، وهذا يعني الانتباه إلى مكانة إربد ودورها المحوري منذ تأسيس الإمارة، إضافةً إلى أنّ الاحتفاء بإربد يقترن بالترويج لرجالاتها الكبار الذين وضعوا بصماتهم الواضحة في بناء الدولة منذ تأسيسها على يد الملك المؤسس عبد الله بن الحسين طيب الله ثراه، إلى جانب إخوتهم في أرجاء الوطن، وذلك على المستويات كلها، السياسية والفكرية والأدبية والفنية وغيرها.

بلدية إربد: إجراءات لتحقيق الكفاءة

يقول مدير العلاقات العامة والإعلام في بلدية إربد الكبرى سلطان الكوفحي إنّ بلدية إربد الكبرى تحرص على تنمية البعد الثقافي في مدينة إربد، لتكون مدينة للثقافة والفنون، الأمر الذي سينعكس على المجتمع الإربدي أيما انعكاس في التسامح والتعايش والحوار البناء، وسينعكس أيضاً على المستوى السلوكي والأخلاقي في البيت والشارع والعمل.

ويضيف بأن بلدية إربد الكبرى ارتأت أن تقوم ببعض الإجراءات لتحقيق مستوى عالٍ من الكفاءة والاستعداد والتهيئة على المستوى البشري والبنية التحتية، حتى تاريخ إعلان المدينة عاصمة للثقافة العربية لعام 2021، ومن هذه الإجراءات دعم وتنمية القوى البشرية العاملة في القطاع الثقافي من خلال برامج التدريب والتعليم، وعقد الندوات والمحاضرات النقدية والأدبية والفنية والأمسيات الشعرية، وإقامة المهرجانات الثقافية السنوية لتعزيز التراث الشعبي والفني، وتدريب أبناء المجتمع على التذوق الثقافي والفني، وإنشاء مسرح يليق بإربد وبمستواها الثقافي، وبناء المكتبات العامة وتسهيل عملية القراءة والإعارة.

ومن الإجراءات التي بيّنها الكوفحي الإعلان عن " يوم الكتاب" كمبادرة من بلدية إربد الكبرى ليكون يوماً في السنة، يختار فيه الناس كتاباً لقراءته ومناقشته، ليصبح يوماً عالمياً كيوم المعلم ويوم المرأة وغيرهما، وإلى ذلك فتح باب استقبال الأفكار الجديدة المتعلقة ببناء نموذج السلوك الإبداعي والفكري استعداداً للوصول إلى لحظة تتويج المدينة كعاصمة للثقافة العربية.

" ملتقى إربد": ديمومة الحركة الثقافية

ويؤكد نائب رئيس ملتقى إربد الباحث عبد المجيد جرادات أنّ الحركة الثقافية في محافظة إربد تنعم بالديمومة والتنوع، وأنّ هنالك همّة ملموسة من قبل الهيئات الثقافية في إقامة النشاطات الهادفة بمختلف الأجناس الأدبية والفكرية.

وينوّه بأنّ البنية التحتية للثقافة متوفرة، وأن النشاطات الفنية والأدبية والأمسيات الشعرية تعقد بشكل متواصل، مؤملاً أن تكون الجامعات الرسمية والخاصة المتواجدة في حاضرة الشمال على أهبة الاستعداد لأخذ دورها في تفعيل الحراك الثقافي والذي سيشكّل قيمة مضافة للفعل الثقافي على مستوى المحافظة.

ويقترح جرادات استعداداً للحدث المرتقب باستلام إربد راية عاصمة الثقافة العربية عام 2021، تشكيل لجنة برئاسة المحافظ ونخبة من المرجعيات الاجتماعية والثقافية، تمهيداً لوضع أفضل التصورات، وتبنّي خطة عمل ترتكز على اعتماد سياسة تُنسق من خلالها الفعاليات الثقافية، بحيث يُعتمد نشاط متميز حسب المواعيد التي سيتفق عليها كل أسبوع، مع مراعاة تجنب" التداخل"، وأن تكون نوافذ التواصل مع اللجنة العليا مفتوحة لتبادل وجهات النظر وتقييم الأداء أولاً بأول.

"جمعية الرّواد": جداريات في إربد

ويرى رئيس جمعية الرواد للفنون التشكيلية خليل الكوفحي أنّ اختيار مدينة إربد لتكون عاصمة للثقافة العربية لم يكن اختياراً عبثياً أبداً، وإنما كان ذلك ضمن معطيات عديدة فرضت نفسها على الواقع الثقافي العربي، لافتاً إلى أنّ إربد منذ فجر التاريخ تعتبر مدينة كبيرة بكل محتوياتها وتفاصيلها إذ تشكل المدينة العاشرة من مدن الديكابولس التي أسسها الإسكندر المكدوني قبل الآلاف السنين.

ويؤكد بأن جمعية الرواد وآرت جاليري توداي سيضعان إمكانياتهما الفنية لإنجاح العرس الثقافي العربي بالتعاون مع كلّ الجهات المعنية، من خلال تقديم الدعم للمشاريع الثقافة والفنية المختلفة، ولذلك ستسعى الجمعية للتواصل المكثف لتوفير بيئة تحتية مناسبة لهذه المشاريع قبل تاريخ التتويج، من خلال تأمين قاعات المعارض الفنية وتنظيم الملتقيات الدولية للرسم الحر المباشر في مختلف مناطق محافظة إربد.

إلى ذلك ستعمل الجمعية على إنشاء أكاديمية للفنون التشكيلية والمتاحف الفنية ومحترفات الفن التشكيلي من خلال استغلال الأبنية التراثية المنتشرة في المدينة، إضافة إلى العمل على إنشاء جائزة إربد الكبرى في الفن التشكيلي، إلى جانب إشراك كلّ المؤسسات الوطنية لتقديم مدينة إربد فنياً بأجمل صورها، كما ستعمل الجمعية على تفريغ الفنانين والفنانات لتقديم منجزات فنية وحضارية كرسم جداريات ضخمة في مختلف مداخل ومناطق إربد الجاذبة للسياحة.

"بيت الشعراء": تشكيل مجلس إربد الثقافي

وقبل حديثه عن إربد عاصمة للثقافة العربية، مهّد رئيس بيت الشعراء الشاعر سمير قديسات عن تجربة مدينة إربد عندما فازت بلقب مدينة الثقافة الأردنية، لافتاً إلى بعض العقبات التي واجهت المشروع، كغياب المؤسسية في التعامل مع الثقافة على الصعيد الأهلي، وكثرة المؤسسات الثقافية المتباينة في" المستوى والقدرة" على التصدي للفعل الثقافي والذي يشكّل عقبة كأداة في وجه أيّ مشروع ثقافي نهضوي يأخذ من إربد عنواناً له، وعدم وجود معايير واضحة في الحكم على ثقافة المثقف أو شاعرية الشاعر، ونظرة البعض إلى أيّ مشروع ثقافي كبير كالعاصمة الثقافية على أنه فرصة للكسب المادي لا العطاء، وتغييب مديرية الثقافة في إربد عن إدارة المشروع، وقيام المحافظة بذلك الدور.

وحيث أننا أمام تجربة جديدة، ولدينا من الوقت ما نستطيع عمل شيء فيه، يدعو قديسات إلى تشكيل نواة لمأسسة العمل الثقافي من الهيئات الثقافية "فقط"، وبإشراف مديرية ثقافة إربد، وعمل مؤتمر للهيئات الثقافية والبالغ عددها 117 هيئة ثقافية يتم فيه رسم خارطة للعمل الثقافي الذي نريده، ورسم خطة لاستيعاب مؤسسات المجتمع الأخرى للمساهمة في مشروع العاصمة الثقافية.

إلى ذلك يدعو لتشكيل مجلس إربد الثقافي الذي يتكوّن من رؤساء الهيئات الثقافية "فقط" في المحافظة وبإشراف مديرية الثقافة، ليكون كهيئة استشارية وتنفيذية لما يتوجب عليه تجاه مشروع العاصمة الثقافية، وإنشاء قاعدة بيانات ثقافية للمحافظة، وتنظيم بياناتها بأسلوب يضمن عدالة التوزيع للمسؤوليات والواجبات والعوائد الثقافية على المجتمع.

كما يدعو إلى تشكيل مجلس الإعلام الثقافي من كبار الإعلاميين المهتمين بالشأن الثقافي في إربد، بحيث يكون مسؤولاً عن التسويق الإعلامي لفعاليات وأنشطة إربد الثقافية بعيداً عن التخبط والادعاء، واحترام الشخصية الثقافية للمؤسسة الثقافية الرسمية والمؤسسات الثقافية الأهلية وعدم التغول عليها بحجة الوصاية، وحثّ المؤسسات التجارية والصناعية وأصحاب الأموال على التبرع لإنجاح مشروع إربد عاصمة الثقافة العربية.

إبراز تاريخ إربد الثقافي

بدوره ينوّه الشاعر مهدي نصير إلى أن إربد مدينة ضاربة جذورها عميقاً في التاريخ, وهي حاضرة بشرية مأهولة منذ مئات السنين, وهي الآن حاضرة شمال الأردن ومركزه السكاني والعمراني والثقافي والسياسي, وهي أيضاً حاضرة أنجبت الكثير من مثقفي الدولة الأردنية وسياسيّيها منذ تأسيسها عام 1921، فإليها ينتمي شاعر الأردن الأكبر مصطفى وهبي التل ( عرار ) وأديب عباسي وعقيل أبو الشعر ونايف أبو عبيد, ووصفي التل وحمد الفرحان وشفيق ارشيدات وغيرهم، الكثير من الأسماء الثقافية والسياسية التي أثرت وما تزال تُثري المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الأردني, وبها الآن حركة ثقافية متنوعة المدارس في الشعر والرواية والقصة والنقد والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى, وفيها أيضاً جامعتان حكوميتان وعددٌ من الجامعات الخاصة والمعاهد.

ويضيف هذا التنوع والثراء في إربد يؤهلها عن جدارةٍ لتكون عاصمة الثقافة العربية عام 2021, وحتى يكون هذا العام لائقاً بإربد فعلى مثقفيها وقيادييها أن يبدأوا منذ الآن بالتحضير والترتيب لبرنامج ثقافيّ يُبرز تاريخ إربد الثقافي والتراثي والسياسي مع قراءاتٍ لهذا التاريخ تُكلَّف به مجموعةٌ من الأكاديميين ذوي العلاقة, كذلك التحضير لإبراز وجه إربد المعاصر ومثقفي إربد من شعراء وروائيين ونقَّاد وموسيقيين ومسرحيين وفنانين تشكيليين.

كل هذا يمكن أن يتم كما يقول الشاعر نصير إذا ما تمَّ تشكيل لجنةٍ تحضيريةٍ فاعلةٍ وقادرةٍ على قيادة وتوجيه النشاطات المختلفة وتوزيعها على كلّ المواقع في مدينة إربد ومناطقها وقراها وألويتها, وعلى ألا تكون هذه اللجنة لجنة رسمية وظيفية بل يجب أن تكون لجنة من مثقفي إربد الحقيقيين القادرين على إبراز وجهها الأجمل للعالم.