بروكسل- ريم الرواشدة

لا يوجد ثمة شك في أهمية انعقاد القمة الـ 28 لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، على مدى يومين، بدءا من غد الأربعاء، إذ أن كل قمة تتعلق بمستقبل الحلف تحمل ملفات مهمة بالطبع.

لكن أهمية هذه القمة تفوق سابقاتها لأسباب عديدة، أهمها أنها: الأولى التي تعقد في المقر الجديد للحلف والثانية: السياسات الجديدة المنتظرة، التي ترتفع أصوات في الحديث عنها داخل أروقة المقر الجديد، وهو ما يمكن تلخيصه في جملة واحدة: مقر جديد للناتو بسياسات جديدة.

ففي عالم متغير، يحاول الحلف التكيف ليصبح تحالفًا أكثر مرونة واستجابة وابتكارًا، وفي ذات الوقت يدافع عن جميع أعضائه ضد أي تهديد، وتأتي قمة "بروكسل"، التي سيحضرها 29 رئيس دولة وحكومة، في لحظة حاسمة لأمن حلف شمال الأطلسي، ولتكون فرصة مهمة لرسم مسار الناتو للسنوات القادمة.

الانتقادات التي وجّهت للحلف بأنه تسبّب في زيادة الوضع صعوبة في ليبيا إثر عمليته العسكرية في 2011، التي تكاد الوحيدة خلال السنوات الماضية، كانت مثار تساؤلات عديدة، للوفد الصحفي الزائر لمقر الحلف من الشرق الأوسط و الخليج العربي وشمال افريقيا، إذ أن اجتماعات الصحفيين في مقر الحلف التي سبقت عقد القمة الأولى لدول "الناتو" في المقر الجديد، أرادت أيضا التركيزعلى صورة افضل للناتو، التي يعترف الحلف بأنها "تأثرت كثيرا بعد الدور في ليبيا".

مقر "المخلب" الجديد

مقر"الناتو" الجديد، يقع على الجانب المقابل للمقر القديم، كان في يوم من الأيام، قاعدة جوية استخدمها الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد أن تم نقله من باريس إلى بروكسل في عام 1967، إثر إنسحاب فرنسا من البنى العسكرية للحلف، وبعد أكثر من 30 عاما، اتفق زعماء دول الناتو خلال القمة في واشنطن عام 1999 على بناء مقر جديد.

وقمة "التحديات" الـ28 للحلف الأربعاء، هي الأولى التي تعقد في المقر الجديد، بعد أكثر من عام على تسلمه في ايار من العام الماضي، منهيا بذلك، ما يقرب من عقدين من العمل في تشييد مجمع ضخم، كلف أكثر من مليار دولار، و المقر الجديد صُمم على شكل أصابع مشبوكة ببعضهما البعض وهي اقرب الى المخلب كاتعبير عن وحدة أعضاء الحلف.

والزائر لمقر الحلف الجديد، يلحظ ضخامة المجمع الكبير الخاضع لنظام أمني يحمي ليس فقط الاتصالات الإلكترونية للناتو، لكنه أيضا يتحكم في مراقبة المبنى بأكمله، مع أكثر من 1000 كاميرا مراقبة وأنظمة دخول عن طريق بصمة العين.

سياسات جديدة

ظهرت بروكسل مزدحمة كعادتها خلال أايام الاسبوع، ولم يزد انعقاد قمة الناتو من ذلك الازدحام، غير أن مسيرة "ترمب غير مرحب به" التي سبقت انعقاد القمة زادت من الحديث الإعلامي حول القمة.

وظلال التوترات الأخيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، تبدو واضحة على التعاون المخطط له خلال القمة، بالرغم من تجنب مسؤولي الحلف الحديث عنها، أو الاشارة اليها في لقاءاتهم مع صحفيين من الشرق الأوسط و الخليج العربي و شمال افريقيا.

"سيكون للحلف سياسات جديدة، لكنه أيضا، ملتزم بالقيام بمهامه الأساسية الثلاث: الدفاع الجماعي وإدارة الأزمات والأمن التعاوني.. وخلال القمة الحالية سيتخذ الحلف قرارات مهمة لزيادة تعزيز الأمن في أوروبا وحولها، بما في ذلك تعزيز الردع والدفاع، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز شراكته مع الاتحاد الأوروبي و التوزيع العادل للنفقات المالية"، بحسب حديث بعض الدبلوماسيين في الحلف.

وقمة بروكسل، هي الاجتماع الثالث لرؤساء دول وحكومات الحلف برئاسة الأمين العام للحلف ”ينس ستولتنبرغ”، الذي صرح قبل أيام ،وفقا للموقع الالكتروني لموقع الحلف، أن "الخلافات الكبيرة" بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن حول التجارة والاتفاق النووي الإيراني، تؤثر على الحلول ولابد من العمل للحد من عواقبها على الحلف".

غير أن دبلوماسيين داخل الحلف يقولون أن التعاون بين الناتو والاتحاد الاوروبي "قد يراه البعض يتطور طبيعيا، غير أن ذلك ليس بالأمر السهل؛ إذ أن 22 دولة هي أعضاء في كلتا المنظمتين (الحلف والاتحاد الأوروبي)، لكن ذلك لا يعني أن لهما ذات المصالح والأهداف السياسية".

ويتوقع مراقبون أن تتضمن السياسات الجديدة للحلف، إعلانا جديدا حول الشراكة الموسعة بين الناتو والاتحاد الأوروبي، وأخرى لتعزيز قدرة الحلف على تحريك قواته في كل أنحاء أوروبا من خلال الردع الدفاعي، ومكافحة الإرهاب، وأخرى لحماية السواحل الجنوبية لدول الحلف، والحفاظ على استقرار الحلف في مناطق أبعد من دول الحلف الاعضاء، إذ أن تدهور الأوضاع الأمنية في مكان ما لابد وأن يكون له تداعياته على دولة أو أكثر من دول "الناتو".

هذا إضافة لزيادة تدريب القوات المحلية في العراق، إذ سيتم استكمال اعمال التدريب التي تتم في الأردن حاليا بمركز الملك عبدالله الثاني لتدريب العمليات الخاصة، في داخل العراق، و هو ما يتم وضع اللمسات الأخيرة على تنظيمه الأن.

ويطغى حديث في تزامن مع انعقاد القمة، بشأن التفاهمات التي قد تخرج عنها قمة الرئيسين الروسي والأميركي بوتين وترمب المرتقبة في هلسنكي بعد عدة أيام من قمة "الناتو"، في ظل التوتر القائم بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وانعكاس ذلك على العلاقات داخل الحلف.

خصوصا وأن هنالك محاولات لاقناع الرئيس الأميركي بالإعلان صراحة، عن التزام بلاده بالبند الخامس لميثاق الحلف شمال الأطلسي والمتعلق بمبدأ الأمن الجماعي، لكن الرئيس ترمب مصمم على ربط التزام واشنطن بالدفاع عن أي عضو في الحلف في حال تعرضه لهجوم عسكري، بالتزام أعضاء الحلف برفع حصتهم من الإنفاق وتقاسم الأعباء الدفاعية.