باريس – ناجح حسن

ألقى الواقع العربي وتحولاته بظلاله على مهرجان السينما العربية الذي نظمه معهد العالم العربي بباريس هذا العام بعد غياب.

جاءت رغبة القائمين على المهرجان بإعادة إحياء المهرجان لحاجة في تنويع نشاطات معهد العالم العربي بباريس الذي كان ينظم بينالي السينما العربية قبل أن يتوقف العام 2006 ولكي يكون جسراً للحوار والتواصل عبر الاحتكاك المباشر بين أجيال إبداعية عربية ونظرائهم من صناع الأفلام والمنتجين والموزعين السينمائيين في القارة الأوروبية.

استهلت عروض المهرجان الذي أشرفت عليه وأدارته ليان شواف، بالفيلم اللبناني "كفر ناحوم" لمخرجته نادين لبكي، وهو من بين أحدث النتاجات الجديدة التي نافست على السعفة الذهبية في مهرجان (كان) السينمائي الأخير، وفيه تطل مخرجته على عوالم الفقر والبؤس في إحدى ضواحي بيروت من خلال قصة جهود طفل في منع أسرته من تزويج شقيقته وهي في عمر مبكر، لينطلق رغم ظروفه الشديدة القسوة من قاعة إحدى المحاكم لمقاضاة والديه، وكأنه يطلق صرخة قوية ضد الظروف التي تؤدي إلى هذا المصير الصعب.

في قسم مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة، شاركت المخرجة الأردنية وداد شفاقوج بالفيلم المعنون (17)، وهو إنجاز لافت تزامن مع حيوية مشهد صناعة الأفلام المحلية وبروز العديد من الطاقات الشابة في حقل صناعة الأفلام متسلحين بدراسة السمعي البصري الأكاديمية ومستفيدين من وقائع التحولات الجديدة في الواقع الأردني، وقد صورت فيه شفاقوج قصة منتخب سيدات في لعبة كرة القدم ومشاركته الأولى والتاريخية بكأس العالم للسيدات تحت سن 17، فهي تطل من خلاله على أوضاع وظروف فتيات المنتخب الاجتماعية والذاتية المتباينة، وقدرتهن على تغيير النظرة السائدة للمرأة في دخولها حقل رياضة كرة القدم.

لجأت المخرجة إلى اقتحام عوالم ودواخل شخصيات منتخب النساء بفطنة وإحساس بليغين في التخلي عن فخاخ أعمالها الأولى تحت وطأة "الإكليشيهات" المصاحبة في استدعاء محطات الفجيعة المتعمدة، فالكاميرا هنا تلازم شخصياتها في لحظات البوح والإشارة إلى قبسات من الألم والانكسار الممزوجة بقدرات مشرعة على نوافذ الأمل.

انحازت شفاقوج في هذا الفيلم الذي جال العديد من المهرجانات العربية والدولية، إلى تلك الجماليات المبتكرة التي لا تكون على حساب المضامين بقدر ما هي إثراء لخطاب الفيلم وذلك بعد أن توفر لها الاطلاع خلال فترة الدراسة على نماذج فيلمية من كلاسيكيات السينما وإمكانية تذوق قواعد وأحكام استخدامات العناصر الجمالية في التصوير والإضاءة وشريط الصوت وهو ما سعت إليه على نحو تطبيقي في درب صناعة الفيلم التسجيلي كونه يشكل وسيلة رصينة وصادقة في التعبير عن هموم الذات والجماعة ويمتلك عناصره الجمالية الخاصة التي قد يكون من الصعوبة بمكان توفرها في نوعيات إبداعية أخرى.

ومن بين عروض المهرجان جملة اشتغالات روائية وتسجيلية متفاوتة الطول تحاكي الواقع الصعب والمعاناة للناس طغت عليها ثيمة الهجرة والفقر والاحتلال في أكثر من بيئة عربية في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا،على غرار أفلام عن المشكلة الفلسطينية: (كان يوماً حاراً وحركاً) لنورما مرقص، (التقارير حول سارة وسليم) لمؤيد عليان، وفيلم (غزة بعيونهن) لمي عودة، (لادة صورة) لفراس خوري، (عدل) لبلال قرمان، و(فراولة) لعايدة قعدان، بانت فيها تلك الملامسات النابهة التي تفضح الممارسات التعسفية لقوات الاحتلال الإسرائيلي.

وفي النتيجة استطاع القائمون على المهرجان رغم محدودية إمكاناتهم المادية تقديم دورة مميزة بعد غياب، وذلك بالتعاون مع جهات عربية وفرنسية وأوروبية عديدة، تعمل في مجال المرئي والمسموع، ووضع بصمة تؤشر على تحفيز الفيلم العربي في الانطلاق خارج مناطق توزيعه التقليدية، باتجاه أسواق توزيعية جديدة في أرجاء القارة الأوروبية.

وكانت جوائز المهرجان دون مفاجآت وقريبة من التوقعات رغم الجدل الذي أثاره عدم عرض فيلم "رجل وثلاثة أيام" للمخرج السوري جود سعيد، فقد كان منذ بدء الفعاليات أننا إزاء أعمال سينمائية مختلفة الأساليب والمعالجات الفكرية والفنية، فيها اعتناء دقيق بجماليات السرد يجري فيها توزيع مشاهد الظل والنور على نحو غير معهود بأفلام الشباب الجدد وهناك أيضاً يبرز فيها الاهتمام بالزمان والمكان والنبش بالظروف المأساوية التي يعيش فيها أفراد وجماعات في رهان على تغيير مصائرهم نحو مستقبل أفضل.

وتنوعت مجموعة الأفلام الآتية بجهود صناع أفلام شباب من المملكة العربية السعودية والتي خصص لها المهرجان ركناً خاصاً للاحتفاء، بين قدرات البعض على تصوير حالات تحفر في الذاكرة الاجتماعية لشريحة من الناس تعتاش على البساطة وتشبثهم بالحياة في لجّة من تفاصيل العلاقات الإنسانية الطافحة بالأحاسيس والمشاعر النبيلة.

ونظمت ندوة متخصصة عن برامج إقامات وورش الكتابة في أوروبا والعالم العربي، جرى فيها تسليط الضوء على هذه النشاطات لصناع أفلام حوض البحر الأبيض المتوسط، والتي تهدف إلى مد أواصر الحوار بين السينمائيين العرب والأوروبيين، ومعاينة الآليات المخصصة للمرافقة في مرحلة الكتابة وفي تبادل الخبرات مع شهادات لمخرجين ومنتجين مخضرمين وشباب، وبمناسبة الذكرى السبعين للنكبة جرى في المهرجان تنظيم ندوة ثانية حول صناعة الأفلام الفلسطينية ركزت على ظروف إنتاج وتصوير الأفلام في فلسطين ومشكلات تمويلها وما تعانيه تحت وطأة الوضع السياسي والاحتلال، كما جرى فيها تقديم صورة بانورامية عن السينما الفلسطينية ومراحل تطورها منذ العام 1948 وصولاً إلى الوقت الراهن.