عمان- إبراهيم السواعير

في كتابه "تألّق النّص"، يقدّم الدكتور حمدالله المناصير ثلاثة كتب في كتابٍ، يشكّل كلّ واحدٍ منها ظاهرةً أسلوبيّةً في الأدب والنقد، والكتب هي: الاستغراق، والإضفاء، والتعليق، في الأدب والنقد.

ورأى الدكتور المناصير أنّه من النافع للمتلقي أن يقدّم هذه الظواهر الأسلوبيّة دفعةً واحدةً؛ حتى تكون في متناول اليد في وقتٍ واحد، وأن تكون أكثر تأثيراً في المتلقي لسبر أغوار النصّ الأدبي، وأن تكتمل الفائدة بالمقارنة في ما بين هذه الأسلوبيّات في عمليّة التوظيف.

وينطلق المناصير أنّ النصّ الإبداعيّ غنيٌّ بما يقدّم من أساليب جديدة في الكتابة والإبداع، مصارحاً بأنّ الأساليب الجديدة ما هي في الواقع إلا أساليب قديمة موجودة بين ثنايا النّص، ولكنّها تحتاج لمن يبحث عن كنوزها، ويستخرجها، ويقدّمها بطريقةٍ منتظمة ما، ويجهر بها على الملأ.

وقد استطاع العرب القدامى أن يؤسّسوا كتاباً في البلاغة العربيّة، سواء أكانوا قد تأثّروا بالثقافات العالميّة المختلفة في ذلك الوقت، أم لم يتأثّروا، وقد خرجوا بمصطلحات بلاغيّة، كان لها الأثر الكبير في تقدّم الآداب العربيّة وغيرها. ولم يتوقّف العرب، كما يقول الدكتور المناصير، في زمننا هذا عن المساهمة في المنجز النقدي العالمي، فقد ساهم كثيرٌ من النقّاد في إثراء السّاحة العالمية بأبحاثهم وكتبهم، ولكن ظلّ هذا دون الطموح للخروج بنظريات أدبيّة، وأسلوبيّات جديدة، واكتشاف لظواهر أدبيّة معيّنة، مثلما فعل الغرب حين غمروا العالم بالنقد الجديد، والبنيوية، والتفكيكيّة، ونظريّات الحداثة وما بعد الحداثة، والتلقي، والنقد النسائي، والنقد الثقافي، والنقد التكويني، والبحث في أسلوبيّات، كالرّمز، والتناص، والمفارقة، والوصف، والتماسك النصّي والسيمياء، وعتبات النّص، وتيّار الوعي..

ويرى المناصير أنّ هذه الظواهر الأسلوبيّة الثلاث "الاستغراق والإضفاء والتعليق" ، هي أسلوبيّات قديمة قد استخدمها الإنسان في أدبيّاته منذ الأزل، سواء أكان بالمشافهة أم بالكتابة. وقد اختلف توظيفها من شخصٍ إلى شخص، ومن أديبٍ إلى آخر، ولكنّ الفرق ظلّ في درجة التوظيف، وفي طريقة التوظيف. وظلّت هذه الأسلوبيّات حبيسة النّص، ولم تخرج إلى ساحة النقد كنظريات نقديّة، أو ظواهر أسلوبيّة يُقعّد لها. ويسأل الدكتور المناصير: فمن منّا لم يسمع أحداً يقصّ قصةً أو سيرةً ما، ولم "يستغرق" في تفاصيلها القصيرة الدقيقة؛ فيستغرق مثلاً بحلم من الأحلام، أو حكاية من الحكايات؟!.. ومن منّا لم يسمع أحداً يقصّ قصةً أو سيرةً ما، ولم يلقّب فيها، أو لم "يضفِ" على شخصيّةٍ ما من شخصيّاتها كنيةً ما، أو صفةً ملازمةً لها؟!.. ومن منّا لم يسمع أحداً يقصّ قصةً أو سيرةً ما، ولم "يُعلّق"على موقف ما في النّص، أو حدث ما، أو شخصيّة ما؛ من أجل أن يوضّح غموضاً بمكان، أو يؤثّر في متلقيه؟!

ويستنتج المناصير أنّ هذه الأسلوبيّات موجودة في اللسان البشري قبل الكتابة وخطّ الحرف، وهي سمة عامّة في كلّ البشر لا تقتصر على فئةٍ ما دون فئة. ولكنّ المبدع وظّفها في نصّه الأدبي؛ كون النصّ الأدبي انعكاساً للحياة، بما تقدّمه الحياة من أساليب الحكاية التي رفدت القصّة والرواية، وبما تقدّمه من البوح العاطفي الذي ولّد القصيدة، وبما تقدّمه من تقنيات التمثيل التي أبدعت فنّ المسرح.

وحول مسمّى الكتاب "تألّق النّص"، يقول المناصير إنّ الأسلوبيّات المختلفة، والتقنيات الفنيّة، تجعل النصّ أكثر إشعاعاً وإضاءةً وتألّقاً، فكم من نصٍّ أدبي قد خفتت إضاءته، وفقدت جمالياته، مع أنّه يحظى بمضمون عميق؛ وذلك لافتقاده تلك التقنية أو تلك الأسلوبيّة.

والمتأمّل لهذه الظواهر، كما يقول المناصير، "الاستغراق والإضفاء والتعليق"، وطريقة توظيفها الناجح في أشهر الأعمال الأدبيّة المختارة في الدراسة، سيجد أنّها شكّلت بالفعل ألقاً رائعاً لتلك النصوص، بل إنّها أعطت النصوص بُعداً غايةً في الدّهشة، والسّحر، وجذب المتلقي.

في دراسة الدكتور المناصير يسير القارئ مع فصل "الاستغراق في الأدب والنقد"، ليقف على مفهوم الاستغراق، وأشكاله: الإبداعي، والافتراضي، والتاريخي، والتأمّلي، والتمهيدي، والحدثي، والحكائي، والحلمي، والوصفي.

كما نقرأ وظائف الاستغراق: الإيضاحيّة، والبنائيّة، والتشويقيّة، والتوكيديّة، والجماليّة، والرمزية، والمعرفيّة.

ونتداول الدراسات التطبيقيّة، وهي: الاستغراق في رواية "اللص والكتاب" لنجيب محفوظ، والاستغراق في شعر المتنبي، والاستغراق في مسرح توفيق الحكيم.

كما نسير في موضوع "الإضفاء في الأدب والنّقد"، مفهوماً، وأشكالاً: الإضفاء المقامي، و الإضفاء المقدّس، والإضفاء الشخصي، وإضفاء العلاقة، وإضفاء الحالة، والإضفاء العمري، والإضفاء النسبي، وإضفاء الكنية، والإضفاء المهني، والإضفاء الجسدي، والإضفاء النفسي.

ونتعرف على وظائف الإضفاء: البنائيّة، والتأثيريّة، والتصويريّة، والتعريفيّة، والتقديريّة، والتوكيديّة، والجماليّة، والرمزيّة، والسلبيّة، واللغويّة.

ونتمثّل بالدراسات التطبيقيّة في هذا المجال: الإضفاء في رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، والإضفاء في شعر المتنبي، والإضفاء في مسرح توفيق الحكيم.

أما التعليق في الأدب والنقد، فموضوعٌ درَسهُ الدكتور المناصير، مبيّناً أشكال التعليق: الانطباعي، والإيضاحي، والإيهامي، والبنائي، والتأثيري، والتقديمي، والتوكيدي، والمعرفي.

وفي الدراسات التطبيقيّة في هذا الموضوع، نقرأ مع الدكتور المناصير: التعليق في رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ، والتعليق في شعر نزار قبّاني، والتعليق في مسرح توفيق الحكيم.

وكشاهد على الاستغراق الافتراضي، نتمثّل مع الدكتور المناصير بقصيدة "بلقيس" لنزار قبّاني، التي يقول فيها:

قتلوكِ يا بلقيس...

أيّة أمّةٍ عربيّةٍ..

تلك التي

تغتال أصوات البلابل؟!

....

بلقيس

لا تتغيّبي عنّي

فإنّ الشمس بعدكِ

لا تضيء على السّواحل

(سأقول في التحقيقِ:

إنّ اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل

وأقول في التحقيق:

إنّ القائد الموهوب أصبح كالمقاول

وأقول:

إنّ حكاية الإشعاع أسخف نكتةٍ قيلت..

فنحن قبيلة بين القبائل

هذا هو التاريخ.. يا بلقيس..

كيف يفرّق الإنسان..

ما بين الحدائق والمزابل).