ملك يوسف التل

كثيرة هي المنجزات الوطنية التي لم نؤرّخ لها في الأردن، بدءاً من الحيثيات السياسية التي لا ذاكرة محلية لها ولا أرشيف، وانتهاء بالعمل التطوعي والأدوار الريادية التي اضطلعت بها نساء متميزات بكل معاني التفرد.

مؤخراً قام فنان لبناني متطوع بتصوير فيلم وثائقي للسيدة هيفاء البشير باعتبارها نموذجاً أردنياً للريادة في التربية والتعليم وأكثر منه في العمل الصحي والإنساني وفي مأسسة التمثيل النسائي في العمل العام ومنه السياسات المحلية واللامركزية.

وحسب ما يعرفه ويؤمن به الذين عايشوا أم مازن، وخبروا المشقّات التي واجهتها وكيف تغلبت عليها وكانت طليعة فذّة في كل الذي عملت به، فإن السيدة البشير تمتلك الكثير الكثير مما يستحق أن يكون حيّاً أمام ناظر الأجيال الجديدة التي اتكأت على «الكوتا» لتأخذ فيها النساء حقوقهن.

هيفاء البشير أخذت وأعطت حقها كامرأة وإنسانة ومواطنة ورائدة في العمل الإجتماعي والمدني، ولم تنتظر أن تأتيها الفرصة سهلة بالكوتا.

بعض ميزات السيدة البشير، وما أكثرها، أنها تمتلك من العمق الثقافي وسعة الأفق والإحساس العفوي بالمسؤولية النزيهة، ما يجعل ذكرياتها وتقييماتها تستحق القراءة والسماع والتمعن.

لا بد ان هيفاء البشير تعرف ما للمرأة من دور كبير مفترض في محاربة الإرهاب وثقافة التطرف، وتعرف أيضا اننا في الأردن لم ننتبه لهذا الموضوع..

أهم أدوار المراة هي تربية أبناء وبنات الأسرة وأن يكونوا منفتحين على الآخر ويتقبلونه.. ان لا يأخذوا القوالب التي تقال هنا وهناك.

نحن نعيش في عالم منفتح، عالم إنساني، ويجب أن لا نعزل أنفسنا عن الغير، وأن نعطي الحقوق لكل الإنسانية. هذه هي التربية التي تعوّد على تقبل الآخر. أيضا كل مواطن مسؤول، فلا يكفي أن تكون أجهزة الأمن الوحيدة المسؤولة عن اكتشاف مثل هذه البؤر، كلنا مسؤولون لحماية الوطن.

نعم دور الدولة مهم جداً بكل ما يفيد من ثقافة وأداء. فمثلاً خدمة العلم رائعة، تشغيل الشباب في الزراعة في مواسم معينة كفريضة مواطنة أمر جيد،. أي شيء يملأ حياة الشاب في عنفوانه يكون إيجابيا، ويجب أن تنتبه الأسرة أن لا يعيش شبابنا حالة فراغ.

للسياسة دور محوري في حياة هيفاء البشير منذ ولادتها في نابلس أيام نضالات الثلاثينيات مرورا بالنكبة وغليان الخمسينيات وحتى اليوم:

لقد نشأتُ بين حربين عالميتين، فتحت عيوني داخل أسرة عانت من الحكم العثماني. لم يكن هناك مدارس كفاية، ولا تعليم للمرأة بشكل جيد. كان يوجد ظلم، وكان يتم دعوة الرجال للمشاركة في الحرب، وأكثرهم لم يعودوا. وعندما جاءت الثورة الفلسطينية عام 1936 كنت في سن الخمس سنوات وعشت فترة من الصعوبة بمكان وهو الانتداب البريطاني وتصعيبه على العرب وعلى الأسر من أجل إعداد أفق للإسرائيليين.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية عام 1939 فعشنا أياما قاسية من الضيق في التموين والمعيشة، حتى فوجئنا عام 1947 بالتقسيم وعام 1948 بالهجرة. فهذه من أصعب ما واجه العرب والفلسطينيين بشكل خاص، كل مواطن منا تأثر سلباً، وشخصياً كنت أدرس في دار معلمات القدس في فلسطين من عام 1946 ولدي امتحان اجتياز عام 1948 للتعليم الفلسطيني، وبقي لي عام لأدرس تربية من أجل الإعداد كمعلمة، لنفاجأ بإغلاق المدرسة لأنها تقع في المنطقة التي إحتلتها لإسرائيل.

كل هذه الفترات كانت معاناة. وبدأت التعليم منذ 1950 في مدارس الثانوية في نابلس، وتزوجت عام 1954 لأنتقل إلى مدينة السلط، لتختلف كثيراً بيئة المجتمع من مدني إلى مجتمع أقرب إلى الريفي، ولكن استطعت التعايش وأجعل من مدينة السلط وطناً أعيش فيه. هذه لمحة تصور النشأة التي بها معاناة.

للراحل محمد البشير تجربة المشاركة كوزير للصحة في حكومة وصفي التل وهي تجربة لا بد تستذكرين منها ما يستحق قوله الآن.

شارك زوجي عام 1970 بحكومة وصفي التل، وكانت هذه الفترة عزيزة عليه جداً، لأنه مواطن يحب وطنه ويحرص على أن يكون الأداء يليق بهذه المهمة، فوزير الصحة عانى من عدم وجود ممرضات أردنيات في مستشفياتنا، وأنها تكلف الدولة استقدام ممرضات هنديات وباكستانيات ومصريات ليخدمن في المستشفيات. لم يكن راضياً عن أن اللغة عائق على الريفي أو ابن البادية، فحمل لواء الدعاية للتمريض، وأشركني بذلك، فكان ذلك سببا في تأسيس جمعية الأسرة البيضاء التي تأسست عام 1970 ونحن الآن على أبواب مضي 50 عاما، وما زلت في هذا المعترك.

عملت وزميلاتي بجهد كبير دعاية للتمريض في كل مدن المملكة في الفترة من 1970 إلى 1980، لإقناع الفتيات بالالتحاق، لاعتقاد الأردنيين أن هذه المهنة لا تليق ببناتهن، لسببين: أولاً لم تكن هناك مدارس تهيئ الممرضات، وثانياً لأن فيها اختلاطا بين المرأة والرجل، وهذا لم يكن مقبولاً حتى ذلك التاريخ. لكن بذلنا جهودا للتغيير، ولا أقل فقط الجمعية لوحدها، فهناك د. عبدالسلام المجالي في دورة الخدمات الطبية حيث عمل كثيراً ليغير اتجاهات المجتمع، والأميرة منى الحسين من الرائدات في هذا المجال، ولله الحمد بعد أن فتحت المدارس في وزارة الصحة، في الخدمات الطبية وفي الجامعات، وأصبحت من تحمل الشهادة لها سوية، وتحسن الوضع، واليوم يقفن في الصف لاقتناص فرصة الإنتساب لهذه المدارس.

من حكومة وصفي التل في السبعين ما زلت أذكر كلماته عندما قابلته من أجل طلب معونة لجمعية الأسرة البيضاء وترخيصها، حيث لم يكن وارداً على الجمعية إلا هدفين، مساعدة مستشفيات الحكومة من بعد إنساني، ودعم التمريض والدعاية له، وأدينا هاذين الدورين بشكل جيد. وافق على طلبي الذي جئت من أجله وقال لي: «لا تنسي يا هيفاء كبار السن». جملته تلك حركت كل كياني، علما انه لم يكن حتى ذلك التاريخ مشكلة للكبار، لأنهم مرعيين من أسرهم الممتدة، تعيش أكثر من عائلة حول الكبير وكلمته هي النافذة اقتصادياً واجتماعياً، لكن كان لدى وصفي بعد إستشرافي، وفعلاً منذ عام 1971 حتى 1975 أعددنا أنفسنا لخدمة الكبار في دار الضيافة للمسنين ووضع الملك الحسين حجر الأساس عام 1975 في منطقة الجويدة على أرض بدأنا بإعدادها بشكل علمي ومدروس، حيث خرجنا إلى بريطانيا وهولندا لنطلع على دور كبار السن وخدمتهم. وأتينا بكل ما يليق ببلدنا ويتناسب مع مجتمعنا.

في عام 1979 تم افتتاح الدار. تسع سنوات ونحن نعد المال والخطط الهندسية و فتيات للعمل، أرسلنا فتاتين إلى هولندا لدار المسنين ونقلنا لتأسيس دارنا، التي ما زالت مواكبة لكل ما هو حديث، حالياً دار الضيافة للمسنين أفاخر بأنها تليق بالكبار وكل منافذها سليمة ومدروسة. فيها أربعة أجنحة 40 غرفة، كل غرفة تتسع لنزيلين وفيها حمام وجناحين للرجال وجناحين للنساء، وحالياً يديرها 70 موظفا لخدمة ما يقارب 130 نزيلاً نغطي كل احتياجاتها، ونقبل فقط محدودي الامكانيات، والفقراء والمتوحدين الذين لا يوجد من يساعدهم، وهم لا يستطيعون خدمة أنفسهم بأنفسهم.

كل نزيل لدينا هو مريض ويحتاج إلى من يساعده بالاستحمام وبالأكل واللباس والرعاية والإشراف، ويقيمون حتى نهاية العمر. فمن يأتينا هم الذين ليس لهم من يخدمهم، فيموتون ونساعد بالتعاون مع أمانة عمان لدفنهم ونستبدل مكانهم جديد. هناك اتفاقية بيننا وبين وزارة التنمية لتغطي كلفة من لا يستطيع تغطية الرسوم. أما بعضهم يأتي من أهلهم يكفلونهم، لدينا ولله الحمد التزام أسري في هذا البلد، وأنا أفاخر بأن المجتمع الأردني متماسك.

رغم كل فرح الإنجاز والنجاحات إلا إن حياتك تتضمن مصاعب ومشقات وأحزان جعلت العلامة الدكتور ناصر الدين الأسد يصفها بأن حياتها أسطورة صلبة من المواقف:

الحياة كانت صعبة.. والدي توفي وعمري أربع سنوات، والأسرة حزينة، ثم الظروف السياسية جميعها لم تترك لي أن ألعب كالأطفال، ومتنفسي الوحيد المدرسة. تم اختياري لبعثة في دار المعلمات في القدس، ثم جاءت النكبة الفلسطينية التي لم تترك أحداً يشعر بالفرح، وبعد الزواج عشنا تقريباً 22 سنة برفقة زوجي محمد، وانجبنا الأولاد، فكانت حياتي كلها كفاح.

أصعب ما يصاب به الإنسان هو فقدان الرفيق، وهو في عز الشباب عندما فقدت أبو مازن.

استراحة

هي ذكرى مريرة يوم استشهاد محمد البشير في حادث طائرة الملكة علياء، ومثلها في المرارة مشقة تربية الأبناء الستة لإمراة عاملة. وآخرها في المرارة قضية نجلك عامر بتهم الفساد:

كان ذاهباً برحلة عمل في معية الملكة علياء، وأنا أمارس عملي الكتابي ومستغرقة. لم يخطر لي أبداً ما تم، رغم أن كل المجتمع أصبح لديه علم بالموضوع من الساعة السادسة، ولم أعلم إلا في التاسعة عن طريق التلفزيون. وهنا كان لدي عتب، بأن الدولة فقدت رفيقا، وأولى بهم أن يشعروا الأسرة بذلك. جميع الناس تتصل هاتفياً معي وابني يرد على الهاتف وبدأ هو يشعر بالمشكلة والمصيبة، وانا مستغرقة في العمل، وكثير من الناس في الشارع أمام المنزل، حتى أعلن الملك الحسين رحمه الله الخبر لكافة المجتمع، لأجد نفسي في هذه الصدمة التي هي فوق احتمال البشر.

أعتقد أنني قضيت 23 عاماً لأدعم معيشة وتربية أبنائي ولأسهل لهم الدراسة في الخارج. الحمل كان كبيرا وثقيلا جداً، ما اضطرني إلى البيع من قطع الأراضي الخاصة بنا، وحتى منزل السكن الذي كنا نعيش فيه معاً، وذلك من أجل تغطية كلف الدراسات، الى أن تخرج أصغرهم في عام 2000، أي بعد 23 سنة من وفاة زوجي.

لكن قضية اتهام عامر بتهم الفساد هي الأصعب عليّ من وفاة والده، لأنها تهمة، ولله الحمد خرج براءة، لكن معاناة الأيام أصعب ما واجهني في الحياة، لأنني أعرف تنشئة أبنائي، وبفخر أقول أنهم قدوة في عملهم وصدقهم و مساعدتهم لأبناء وطنهم وفي نجدة الملهوف منهم، فكيف يتهم من هو في خيرة الأخلاق.؟

أنا الآن أسمع الشكر من هذا المجتمع بما يقومون به واحداً واحداً، وعامر بالذات لأنه حصل على موقعين مهمين، أمانة عمان الكبرى، وهي أجمل مكان يستطيع فيه الإنسان خدمة أبناء البلد، وأيضاً في المجلس النيابي.. الحمد لله أن الحياة بنتائجها تعوض المعاناة التي مررت بها.

المحصلة؟

أؤمن بأن الأسرة مقدسة، وأهم ميدان للمرأة ايمانها بدورها في الأسرة وتنشئة الأبناء وحتى الأحفاد. العمل مقدس أيضا وعلى الإنسان ان يعمل طوال حياته حتى في كبره بأية طريقة من الطرق، فالمواطنة تفرض علينا أن نقدم لوطننا مقابل السماء التي تستظلنا في هذا الوطن والأمن الذي نعيش فيه، ومثلما علينا تقديم ضريبة في طاعة الله فإن للمجتمع ضريبته.

أسرتي

أكبرهم مازن: عمل مديرا للمستشفى الإستشاري، والآن ملتزم بعيادته «طب الأسرة»، متزوج من الطبيبة بريهان البرغوثي رئيسة قسم طب الأسرة في الجامعة الأردنية، ولديه بنت وثلاثة أبناء.

ثم عوني: طبيب جراح متزوج ولديه ابنتان وولدان، وقد انتبه بعد ذلك للسياسة وأصبح نائباً عن السلط ووزيراللتنمية، ومديراً لمستشفى الشميساني ثم للمركز العربي، والآن متقاعد.

وعبدالرحمن طبيب نسائية، توليد، ولديه أربعة بنات، زوجته ياسره غوشه عضو مجلس أعيان.

و بلال: عمل أستاذا في التكنولوجيا تخصص هندسة بيئة، ثم رئيس سلطة العقبة ثم مدير الهيئات التنموية في الأردن وحالياً في سلطنة عُمان مستشارا لوزير البيئة، ولديه ولد وابنتان،

وصلاح: دكتوراة في القانون، استلم حقيبة وزارة الخارجية ووزير صناعة وتجارة ولديه ولدان، وأصغرهم عامر مهندس معماري، لديه ولد وابنتان.

والحمد لله انني جدة لعشرين حفيد وحفيدة، أكبرهم 34 سنة وأصغر الأحفاد 15 سنة.