د.أمينة منصور الحطاب

هي لحظات قهر وظلم وقسوة تشعرنا بالضعف والإحباط وكأننا ولدنا من رحم المعاناة ووسمنا بالتمرد والعصيان، نبحث عن ذواتنا في خضم هذه الحياة ونسعى وراء التفوق والإتقان، ولسان حالنا يقول أن الشعور بالضعف والنقص لم يثننا عن الكفاح والنضال لبلوغ أهدافٍ ترتقي في سموها لتبلغ عنان السماء.

لقد تحدث أدلر - رائد النظرة الاجتماعية النفسية - عن الشعور بالنقص وأنه يشكل محور طبيعة السلوك البشري وأن إرادة القوة والتفوق وبلوغ الكمال وقهر الإحساس بالدونية أو النقص هي الدافع الرئيسي لدى الإنسان، وكأن الإنسان في سعيه الدؤوب إنما يهدف إلى شيء واحد هو أن يحقق ذاته في مجتمعه كأفضل ما يكون التحقيق، والتحقيق الأفضل للذات سوف يكون معياره مختلفا بين الأفراد فبينما يراه البعض في القوة والغنى والأمور الأنانية الضيقة يراه الآخرون في الأهداف النبيلة ذات الطابع الاجتماعي التي تؤدي إلى تقوية المجتمع ومساعدته على النهوض وتحقيق القوة كما هو في الحال لدى أصحاء النفوس، ولذا فإن نظرية أدلر في نمو الشخصية تركز على أن كل فرد منا يبدأ منذ ولادته مراحل النمو الهادفة تصاعديا حتى بلوغ الكمال أو الاقتراب منه فهو يتجه دائما إلى أعلى متخطيا مراحل الضعف محققاً للقوة .

ويعطى أدلر لشعور الفرد بالقصور الدور الأكبر في

سعيه نحو القوة ،والسيطرة لتعويض هذا القصور ورد الاعتبار إلى الذات ومن أشهر الأمثلة التي وردت قصة ديموستينيس الذي يعتبر أشهر خطباء اليونان قاطبة حيث كان نطقه ضعيفا وغير سليم ويقال أنه كان يضع الحصى في فمه وهو يتكلم حتى تخرج كلماته صحيحة النطق.

وهكذا ركز أدلر وأبرز أهمية التعويض الزائد كحيلة أو وسيلة من حيل التوافق التي تلجأ إليها الشخصية لعلاج موقف الإحباط الذي تكون فيه، وتتسم المقاربة التي قدمها أدلر بالكلية الاجتماعية وتتجه نحو تحقيق الهدف، وهي إنسانية في طابعها تتبع نسق النظم أي فهم الإنسان ضمن البيئة التي يعيش فيها وتركز على الدوافع الداخلية للسلوك مثل القيم والمعتقدات والاتجاهات والأهداف.

ومن الحالات التي ذكرها أدلر أنه عرف جنديين خلال الحرب أصابت كل منهما قذيفة أطاحت بذراعه وبرئ كلاهما من جراحه، فلما انتهت الحرب ومضت سنوات عديدة لقيهما مصادفةً كلاً على حدا وفي وقت متقارب، فقال أحدهما عندما رآه: "إني يا دكتور أدلر عاجز عن الاستمرار في الحياة وأجر جسدي كما لو كان عبئاً ثقيلاً لا خلاص منه، لأن بتر ذراعي قد حال بيني وبين القيام بأي عمل نافع، وليتني كنت مت بدلا من الحياة في هذه الحالة ".

كان هذا الجندي شابًا ولكنه استكان إلى كارثته وارتضى العجز والاستسلام، وفي الأسبوع نفسه زاره الجندي الآخر الذي تعرض لحادثة مشابهة وبترت الذراع نفسها وقال له: "أنا يا دكتور في أحسن حال ؛فقد وجدت عملا أرتزق منه وهذا العمل أحسن بكثير من العمل الذي كنت أقوم به قبل الحرب حين كانت لي ذراعان وقد تزوجت وأنجبت وأنا قانع وسعيد بزوجتي وأولادي وأكاد أتساءل لماذا خلق الله لنا ذراعين مع أن ذراعًا واحدة تكفي؟".

لقد دفع التناقض الواضح – بين تصرفات الجنديين - أدلر إلى التمعن والتفكير وأخذ يقارن بين سلوكيهما ،وبرر التناقض من خلال الشجاعة التي تحلى بها الجندي الثاني في مجابهة الحياة وما تحمله من كوارث ومحن ،وعزى هذا الفارق العظيم بين الشابين إلى أن أحدهما (الجندي الثاني) قد اعتاد منذ الطفولة - خلال السنوات الأربع أو الخمس الأولى من عمره - أن يكون شجاعًا يتحدى ويتصدى في حين اعتاد الآخر (الجندي الأول) منذ طفولته – خلال السنوات الأربع أو الخمس الأولى من عمر - على أن يجبن ويفر ويستكين .

إن "الشجاعة هي صحة النفس "، هذه هي إحدى الكلمات المأثورة عن أدلر ،ذلك أن جميع الأمراض النفسية تقريبًا تعود إلى الخوف خاصة ذلك الخوف الذي ليس له ما يبرره من العوامل الخارجية ؛فهو حالة نفسية تعسة تجعل صاحبها يخاف كل شيء ،وتنبع هذه الحالة من داخل الفرد وتتسبب في زعزعة نفسه، ولكن يجب ألا يكون النقص في التربية عذرًا لأن نجبن ونستكين للكوارث التي تقع بنا، فإذا لم نكن قد تعلمنا الشجاعة وتعودنا عليها خلال مرحلة الطفولة فإنه يجب علينا أن نتعلمها ونشرع في التعود عليها وأن نتغلب على المشاكل والصعوبات والكوارث ولا نعترف بالهزيمة أبدًا ،مثل ذلك القائد العسكري الذي قال :"إن الجيش لا يهزم ما دام لا يعترف بالهزيمة ". ومن المفاهيم الأساسية التي وردت في نظرية أدلر:

وحدوية وأنماط الشخصية الإنسانية

أطلق أدلر على نظريته علم النفس الفردي وركز على فهم الشخص ككل وعلى ضرورة فهم الفرد ضمن تفاعلاته الاجتماعية داخل العائلة ،والثقافة ،والمدرسة والعمل وأننا كائنات بشرية اجتماعية مبدعة نصنع القرار ونتجه نحو تحقيق هدف ويصعب فهمنا ومعرفتنا إلا من خلال إطار يحمل معنى لحياتنا، فمنذ بداية حياتنا نبدأ في التخيل كيف يكون حالنا لو كنا ناجحين وكاملين ووصلنا إلى درجة الإتقان الكامل، وعندما نأخذ في الاعتبار أثر الدافع الإنساني فإن الذات المثالية الموجهة تمثل صورة الفرد الذي يكافح في حياته للوصول إلى الكمال والأمن وتقبل الآخرين.

الكفاح من أجل الأهمية والتفوق

ارتأى أدلر إلى أن كفاح الفرد للوصول إلى الكمال والتعامل مع الشعور بالنقص أخذ شكل البحث عن "الإتقان "، وهذه ظاهرة سلوكية تنبع من داخل الإنسان وعمق وجوده ولا يعني الإتقان بالضرورة أن يكون الإنسان في مرتبة أعلى من الآخرين وإنما هو الانتقال من موقف الشعور بالدونية إلى موقف الشعور بالتفوق، إن الشعور بالنقص يدفع الناس إلى ظاهرة التعويض وتشكل الأساليب الخاصة التي يتبعها الناس في كفاحهم نحو الوصول للإتقان هي التي تشكل فردية الإنسان أو أسلوب حياته وهنا يبرز أثر الخبرات التي مر بها أدلر خلال طفولته ومراهقته.

أسلوب الحياة

إن جوهر معتقدات الفرد وفرضياته تعمل على توجيهه في مسيرة حياته وتنظيم واقعيته كما يراها وتعطي معنى للأحداث التي يمر بها ،لقد أطلق أدلر على حركة الحياة هذه "أسلوب حياة " للفرد، وهو بذلك يشير إلى أساليب الحياة التي يطورها الفرد في حياته في مرحلة الطفولة لمساعدته على تنظيم خبراته وفهمها وتوقعها وضبطها وكأنها العدسات التي ينظر بها الفرد إلى نفسه والطريقة التي يدرك بها الحياة ،يسعى الناس خلال حياتهم لتحقيق أهدافهم في الحياة ،فيطور كل فرد نمط حياة فريد وخاص به ولا نجد شخصان متشابهان في ذلك .ويتأثر نمط الحياة أو أسلوبها خلال السنوات الست الأولى من حياة الطفل بتجاربه ضمن العائلة وعلاقاته مع أقربائه وحتى ترتيبه داخل أسرته.

الاهتمامات الاجتماعية

يرى أدلر أن الناس لديهم ميول فطرية للارتباط بالآخرين وهو ما أسماه بالاهتمام الاجتماعي أو الشعور بالترابط الاجتماعي وهذا يتضمن أكثر من مجرد عضوية في مجتمع معين أو جماعة بعينيها بل يرجع إلى إحساسنا بإنسانيتنا وطريقة للتغلب على ضعفنا من خلال التعاون مع الآخرين وتقاسم العمل معهم .يقول أدلر:"تخيل لو أن إنسان ما عاش بمفرده دون وسائل ثقافية في غابة بدائية فسوف نجده غير متوافق بالقياس مع أي كائن بشري آخر، فالمجتمع هو الضمان الوحيد لبقاء ووجود الجنس البشري والاهتمام الاجتماعي هو الحقيقة التي يتحتم وجودها حتى يتم التغلب على الضعف البشري.

القصدية وأهداف الحياة (الغائية)

احتوت نظرية أدلر في بدايتها على فكرة الدافع العدواني لكنه تخلى عنها ونظر إلى فكرة وراثة المكونات الشخصية كشيء خرافي ،فنحن لسنا مجرد آلات تحرضها البواعث الفطرية ولكننا نختار أهدافنا الحياتية والوسائل التي تحققها ،فالحياة النفسية للإنسان تتحدد بواسطة أهدافه ولا يستطيع أي إنسان أن يفكر أو يشعر أو يدرك أو يحلم بدون أن يوجه هذه الأنشطة المركبة والمستمرة والمباشرة تجاه أهداف موضوعية ،فالفهم الحقيقي للسلوك عند أي إنسان يكون مستحيل بدون فهم واضح للأهداف الخفية التي ينبغي تحقيقها.

ويرى أدلر أن مرحلة المهد والطفولة المبكرة أهمية بالغة إذ عادة ما تتشكل خلالها الأهداف الرئيسة لحياة الفرد ،ولا عجب في ذلك فلقد قرر أدلر أن يصبح طبيب قبل بلوغه الخامسة من العمر، لقد حاول أدلر أن يوفق بين الغائية والسببية في تفسير ظواهر الحياة النفسية إلا أنه كان يلح على الغائية وحدها ولهذا نظر علم النفس الفردي إلى كل مل يصدر عن النفس الإنسانية كأنه يوجه نحو هدف معين.

إسهامات أدلر في التربية وتثقيف الآباء

كان أدلر يعنى بتوعية الناس - لاسيما العامة منهم – وتثقيفهم في أمور التربية ،وكيف يربون أولادهم. والتربية ركن هام من فلسفة أدلر،وما إنشاؤه لعيادات توجيه الأطفال إلا إيماناً منه في أن أسلوب الحياة (Life style) الذي يتميز به كل واحد منّا ما هو إلا محصلة لتجارب الطفولة المبكرة التي مر بها.

ولكل منّا أسلوبه الذي يتربى عليه ويكاد يتثبت عليه من الميلاد حتى سن الرابعة أو الخامسة وهو سن التكوين بما يمثله من خبرات ومشاعر، فنميل إلى أن نفهم الأمور بطريقة معينة، وأن يكون لنا سلوكنا الفريد ولا يكون من السهل أن نغير هذا الأسلوب الذي يتربى فينا من الصغر ،كالذي ينشأ على حب القراءة فتطبع حياته وتنتظم بها علاقاته الاجتماعية وساعات نومه وصحوته وجلوسه ورقاده بحيث يصبح كل هدفه وسلوكه لتحقيق التفوق العقلي بعكس الذي يتربى على حب الرياضة فيعشق الحركة وكل ما من شأنه أن يساعد على نمو عضلاته، وليس تفضيلنا للقراءة أو للرياضة وإيثارنا هذا الأسلوب في الحياة إلا تعويضاً عن الشعور بالنقص، ويُروى أن نابليون كان يعاني عقدة نقص الرجل الضئيل ومن أجل ذلك كان يريد التوسع وأن يكبر بالغزو.

ويرى أدلر أن الهدف الحقيقي للمدرسة هو بناء الشخصية، والهدف الأساسي من التربية هو التوافق الاجتماعي، وأن المعلم هو الموجه والمساعد في حل مشاكل الطفل وإعداده للتعاون والمشاركة، وأكد على أن التشجيع والحب أرفع مقاماً من العقاب والتهديد وعلى ضرورة معاملة الطلبة باحترام وتقدير لأن هذا يسهم في تقدم ورقي الجنس البشري.

يعد أدلر من أول علماء النفس الذين أكدوا على المحددات الاجتماعية في الشخصية ويكاد يكون الوحيد من علماء النفس المبكرين الذين خصصوا جزءاً من نظريتهم للبحث في الجريمة وأسبابها ،وفي التربية وأساليبها لتثقيف الآباء وإرشاد الأطفال .لقد أصبحت مصطلحات أدلر حول عقدة النقص وأسلوب الحياة جزءاً من لغتنا اليومية ،وبالرغم من البساطة النسبية لنظرية علم النفس الفردي إلا أنها لاقت قبولاً عند بعض الناس وفهماً لأساليبها التي تبتعد عن المراوغة ويسهل تطبيقها .وكغيرها من النظريات لها جوانب قوة وضعف أكدتها بعض الدراسات وعارضتها أخرى ويمكن الاستفادة من تقنياتها للوصول لحياة أفضل.

Ameeneh@live.com