د.حسين محادين

هذه رواية لافتة حقا من منظور علم اجتماع الأدب؛ من حيث أحداثها وأسماء الأعلام الموظفة في ثناياها؛ إضافة لراويها البطل «خالد العربي». فمثلما فيها من السرد الرشيق للقارئ، فيها أيضا الكثير من الفكر والدمامل السياسية التي سعت إلى فقئها؛ كما تفردت أحداث الرواية بالمعنى التأصيلي والتغذوي لتنامي أحداثها، بأن لها حبلا سُرّيا مربوطا بأُمَّين معا هما: مدينة الكرك المعتقة بالتنوع السكاني والإغناء التاريخي؛ وأمّ البطل المثقفة التي علّمته ما هو البساط الأحمر، ومَن أول من استخدمه من الشعوب كمراسيم في المناسبات لأصحاب السلطات من المسؤولين، وهم اليونان القدماء، أو البابليون منذ القرن الخامس للميلاد (هوامش البساط الأحمر، الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2018، ص15).

هكذا استلهم الراوي اسم روايته تاريخا وممارسات مُستنتجة بعد كل هذا الوعي المعيش والمغالب لديه في آن.

إن للروايات مراحلَ نمو وأحداثا كما البشر تماما؛ ميلاد، فتوة، ذروة ثم موات، فالرواية الواثقة بنفسها كرواية «هوامش البساط الأحمر» مثلاً، ستُخلّد لموضوعتيها الموجعة، فرغم أنها رواية سيّرية كما وصفها الكاتب عبدالهادي المدادحة على الغلاف، إلا أنها تحمل في أحشائها أسئلة وجودية كثيرة ومترابطة الهدف في ضرورة إعمال العقل، وتوظيف العلم في حياتنا.. كطرح الراوي لعدد من الأسئلة بقيت بلا إجابات قاطعة ومنذ زمن بعيد.

«مَن قام بقياس عرض الجنة؛ من تحدث إلى ميت وعرف ماذا حل به؟ ويسأل خالد وبوعي موجع: لماذا يتناقل الناس أخبارا عن أحداث لم يشاهدوها. لا أحد يستطيع أن يُجيبني عن تلك الأسئلة؛ حتى المُعلم قال لي: عندما تكبُر يوما ستعرف الإجابات، ومع هذا كبرت، وما عرف المعلم، فقد مات المعلم ولم يعرف الإجابة أيضا» (ص10-11).

هذه الرواية ستخلّد عربياً لهذه العوامل:

1. فرادة وجرأة مضامينها الذاتية والموضوعية التي سردها الراوي بذاكرته المُتقدة بالتفاصيل التاريخية؛ وبوجعه ووجعنا الفكري والجسدي اللذين لم يُحترما عربيا؛ كما حصل مع خالد العربي بطل الرواية على سبيل التعميم؛ إذ يوشى بالبطل لولعه في الزعيم جمال عبد الناصر.

2.تميز مفتتح كل هامش من هوامش الرواية؛ بلغة الكاتب المكثفة والمبدعة تعبيرا عما سيرِد في المتن مع الحفاظ على تنامي السرد القصصي لدى الراوي ودون أن تختل الوحدة العضوية والوحدة الموضوعية للرواية.

3.تفرد الكاتب سردا وبناءً للذاكرة الفردية للبطل المأمول تمثله، والذاكرة الجمعية لنا كعرب: أنظمة، أحزابا قومية وماركسية وإخوان مسلمين وفصائل فلسطينية أيضا.

وبهذا فقد امتازت هذه الرواية بالحِرفية الواخزة في استدعاء مخزونات الذات من جهة؛ ومن الجهة الثانية توظيفها الناجز فكرا، وأنها تتكئ على تاريخ المدن العريقة والمُخدِّرة للذاكرتين الفردية والجمعية التي جرت فيهما وعبرهما الأحداث.

لقد جاءت شخوص الرواية فاضحة لواقعنا العربي وتجاربه النازفة التي منحها الصدق المُشتهى قوله نيابة عن الجماهير والقراء منهم على وجه الخصوص، إذ تفضح الرواية شهوة السلطة والسلاطين المزمنة لدينا كعرب؛ وكأني بالكاتب قد عمل تناصا ومقاربة ما للحالة الصراعية لحالتنا هذه كما وصفها بدقة أيضا المفكر الراحل منيف الرزاز في كتابه «التجربة المُرّة».

إنّ المبدعين وحدهم يعيشون حيوات عديدة في عُمر واحد؛ وهذه كلمة السر الإبداعية التي رشحت من مسامات هذه الرواية بدليل اختيار الكاتب غلافا لروايته مُستلّا من لوحة للروائي مؤنس منيف الرزاز؛ وهذه دلالة دامغة على نجاح الكاتب في بث رسالة تشخصية عميقة ودالة على حقيقة ضمور واغتراب المفكرين العرب عن إدارة عناوين الحياة بعقلانية مُتمناة، مقابل شهوة وصعود السياسيين المتسلقين على الفكر والسلطات المعرفية الراقية نظريا وعمليا في بنية «الدولة القبيلة» عربيا.

الكرك الأم

شكلت مدينة الكرك مستودعا بارزا في خبرات الطفولة عند البطل، والتي تحدد لاحقا موقفا من ذواتنا كأفراد وحياتنا بالمجمل. إنها الكرك؛ التاريخ والشهداء ترابطاً مع الآتي:

-أم خالد، فهمية بنت فلاح باشا المدادحة، الوزير مرات عدة ووزير الداخلية الأسبق، فهي الحاضنة والمتعاطفة مع خالد في كل مغامراته من الطفولة حتى نيله المُتعسر لشهادة الصيدلة التي طال انتظارها أخيرا من جامعة دمشق والتي أبُعد إليها خالد بفضل «رفيقه اليساري والمقاول حزبيا وأمنيا نضال الذيب».

-الأب الصارم والمُحِبّ كثيرا لنشرات الأخبار؛ والجدّ اشتيان المتفهم المعزز لخالد، بعد عودته من السجن رغم عدم إتمامه للدراسة في مصر التي أُبعد عنها إلى دمشق.

-طفولة الكاتب الهادئة التي تختلف فكرا وممارسات عن أترابه، وشغفه المبكر في القراءة وتوليد الأسئلة مفتوحة النهايات؛ وامتلاكه المبكر دراجة هوائية طالما أوقعته وأوغلت في جرحه ليتعلم من هذه الجراح الصبرَ والمواصلة. وهو لم يتعلق كأقرانه بالفتيات، بل كان تعلقه منذ الصغر بالكتب والقراءة عن المشاهير والأحداث بمنظار عروبي وحدوي.

يقول خالد العربي عن مدينته: عشت في مدينة تعج في السرديات الدينية: القلعة، عين سارة، بحيرة لوط، ميشع المؤابي بقلعته والذي انتصر على العبرانيين، مقام سيدنا نوح والخضر، صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الكرك.

المدن.. التاريخ والواقع

لقد اتكأ خيال البطل في هذه الرواية على الاستدعاء المشهدي والتماثل النسبي بين عدد من المدن التاريخية من حيث القلاع، والتنوع السكاني، والشهداء والعلماء، والعروبة والاختمار الحضاري في ذهنية الطالب خالد في لحظة دهشة، أو لنقل في لحظة ضعف وتفكر ما، فوظّف خالد التشابه في معنى ودلالات المواقف المُخدرة وتاريخ هذه المدن مصدّقا ما قرأه عن الأمس في محاولة ذهنية منه للحد من ألم الواقع المّر ووقع بساطير العسكر لحظةَ غيبوبة المعتقل رقم (30) في مكاتب التحقيق بالإسكندرية؛ في الوقت الذي هاتف خالد والدته في الكرك من الاسكندرية كي تعلّمه طريقة طبخ المنسف لعشرة من أصدقائه العرب، وهؤلاء هم «الشلة» الذين استضافهم على الغداء ببيته في جمعةٍ ما (ص29).

ونلاحظ توأمة الكرك والاسكندرية في وجدان خالد العربي عندما يصف ذلك قائلا: «طوال الطريق في السيارة كنت أهرب من المواجهة القادمة في البيت (الكرك) بأن أتخيل نفسي أمشي في شوارع الاسكندرية وأجلس في المقاهي وأخاطب البحر» (ص121).

واستكمالا أُذكّر هنا بدمشق التي تخرّج من جامعتها كصيدلي، إلا أنه قد تعلم وتتلمذ فيها على ما هو أشمل وأعمق من الصيدلة على يد معلم غامض ومميز في آن هو «غسان» صاحب فندق الشام الذي سكنه ليلة وصوله لدمشق؛ فقد علمه لاحقا مفاتيح أساسية للعيش فيها:

- خطورة استمرار تشبثه بأسطورة العروبة ممثلة في جبهة الصمود والتصدي التي قالت إنها ستقبل كل الطلبة العرب المبعَدين من مصر لمواقفهم المناهضة لقرار السادات إبرام صلح مع إسرائيل، وبعد أن أطلق «قُمقم الإخوان» للانقلاب على إنجازات عبد الناصر التي كانت الأقرب الى نُصرة البروليتاريا والفلاحين.. بدليل ما طرحه خالد (البطل) على رفاقه في كلية الصيدلة بالإسكندرية، محاولا تبيان انقضاض السادات على تاريخ مصر وإنجازات سلفه، مستشهدا بالحوار الذي جرى بين السادات والنائب اليساري قناوي عبدالله في مجلس الشعب (ص33).

«قال غسان لخالد.. اذهب ودبّر حالك عن هالحكي الفاضي... ونصحه أن يذهب إلى اتخاد الطلبة العرب مثلا؛ اندهش خالد وهو يسمع صدى النشيد القائل: سورية يا حبيبتي أعدتِ لي كرامتي».

-ثنائية المدني والبدوي: «عليك إتقان مهارات أهل الشام (المدينة)». هذا ما يقوله غسان كأنه يخاطب ما أسمّيه «البدوي الصغير» في دواخل خالد ضمناً، وضرورة تماثله مع بيئته الحالية، وأن يكون «حربوكا» مثل أهل الشام في حرفيتهم بـالتجارة والسياسة معا.

وعندما قال خالد لغسان في بداية تعارفهما: «لكن الأردن وفلسطين ولبنان هم أيضا سورية الكبرى»، ابتسم غسان الشامي والتاجر قائلا ما معناه: «جغرافيا نعم؛ لكن لكل منا خصوصيته» (ص130).

-تعلّم خالد من غسان معنى الجبنة البيضاء والشاي بالنعناع في الماء البارد تحديدا -وليس الماء الساخن كما اعتاده في ثقافته. «قال غسان: الماء الساخن يعمل على تبخّر الزيوت الطيارة في أوراق النعاع. وتعلّم خالد أيضا كيف يكون مذاق العُود بصحبة كاسات العرق الأبيض والمازات المتنوعة، إذ يُفردها غسان على آخر عدد من (جريدة الشعب) فيأكلان ويسكران على ظهر الشعب وجرائده وصولا إلى آخر الأحاديث والليل وانتهاء بسهرة الصديقين (خالد وغسان) كل خميس قُبيل افتراقهما كل إلى بيته».

وهناك وقفات عند بغداد، حيث الخوف والترقب وزيارة البطل لها عام 1979، لإعادة علاقته مع تنظيمه الفلسطيني اليساري استجابة وتقديرا من التنظيم والرفاق لصموده وبساطته الريفية أثناء التحقيق معه في مصر، وهم المنقسمون عمليا بين تيارين أولهما حواري، والثاني صِدامي ثوري (اسبارطي وأثيني بلا تشبيه)، وكل منهما يدعوه للالتحاق به بوسائله الخاصة وعلى طريقته؛ وهما الزاعمان بامتنانهما لخالد لأنه لم يشِ أو يعترف على أيٍّ من رفاقه أثناء اعتقاله وتعذيبه في القاهرة قبل طرده إلى دمشق.. ويصف خالد حال بغداد حينها قائلا: «لم أر في بغداد بساطا أحمر، وانما رأيت رجلا قويا يُمسك في السلطة، وأينما وضع قدميه يكون البساط الأحمر تحتهما» (ص 155).

أما فلسطين المُتاجر بها، فيقول عنها خالد: «القادة يعرفون أن كلا الجناحين مع فصائل فلسطينية أخرى تعمل لصالح النظام العراقي، وتنظيمات أخرى في دمشق وبيروت تعمل لصالح النظام السوري، أو الليبي، أو أي نظام يدفع كلفة أيّ عملية غير نظيفة يرغب في تنفيذها من خلال فصيل فلسطيني مسلح» (ص172).

إنّ خلاصة وقتامة المشهد تَبرز في حوار خالد مع ذاته: «في أي زمان رديّ نحن، بؤس المنظمات الفلسطينية، مع بؤس الأنظمة الشمولية، المرتبطة كليا مع الآخر، بدءا من رغيف الخبز، وانتهاء بالسلاح والتكنولوجيا. أين موقعنا نحن العرب من هذا العالم؟» (ص171).

وكان الأردن حاضرا في ثنايا ومعاني المعاناة وعناوينها. يسأل خالد رفيقا له في بغداد: «هل يمكن أن يقتلوني هنا؟»، فيحيب الرفيق الأردني من أصل فلسطيني: «الأمور هنا لا تقاس بمقاسنا الأردني» (ص164). فالحرية التي لا تمارسها في بلدك تبقى منقوصة. واصفا حزنه وتطلعاته إلى أن يمارس الاتحاد العام للطلبة أنشطته في الداخل الأردني عوضا عن هذا التشتت بين بغداد دمشق وبيروت وغيرها من مدن العالم (ص173).

وجاء في الرواية أيضاً: «في بحرنا هذا، كان الأردن هو البلد الوحيد الذي قدم مفهوم الحياة على مفهوم الموت؛ فلا عنف ثوري، ولا ثورة مضادة، ولا سجون وإعدامات لمعارضين، ولا تصفيات جسدية للخصوم» (ص196).

المرأة.. واللغة الأنثى شاعرياً

لقد اختُزلت المرأة في هذه القراءة وبالتناوب –رغم وجود نساء أخريات- في امرأتين هما:

1.الأم المثقفة، وهي الظهير الخلفي الصابر والداعم في حياة البطل وأحداث الرواية، لقوله عنها: «هنا تدخلت أمي المثقفة التي لم تنفك عن قراءة الكتب والصحف» (ص15).

2.عزة مُحسن.. ابنة الأرستقراط المصري؛ وهي الأنيقة وعازفة البيان التي تأسر الجميع عندما تعزف في الكافتيريا، والمثقفة القارئة للأدب الروسي والعالمي، ورفيقة السينما والبحر، والتي تحث البطل على تجنب الحديث في السياسة أثناء تجوالهما معا: «تقول عزة لخالد: أنا أدرس الصيدلة، ولا تعنيني السياسة، أنا أؤمن بالوحدة العربية، وكفى، أنا لا أحب البساط الأحمر» (ص30). فعّزة امتدادُ خالد الوجداني والمُعاش لمشروع الأمومة الكامنة والموجِّهة له رغم بُعد المسافات بين الكرك وغيرها من المدن التي عانى فيها خالد: «أمي لا تعرف عن اعتقالي. قفزت عزة إلى خيالي، هل أعدُّها حبيبية؟» (ص110).

إذن، عزة هي المعادل العاطفي الحاضر لديه الذي لم تصل فيه إلى الحبيبة المتمناة والمتحققة عنده قولا وأفعالا معا؛ رغم أن البطل لم يتطرق إلا مرة واحدة إلى تعلقه بها عندما أطعمها بيده لُقيّمات من المنسف الكركي عندما كانت الشلة في ضيافته على الغداء. ولا ننسى طبيعة ومستوى البيت (الفيلا) الذي كان يسكنه البطل رغم كونه ما زال طالبا.

3.لقد تجلت لغة الرواية بالشاعرية العميقة والمفارقات التعبيرية اللافتة للقارئ، وكأني بالكاتب يجري محاكاة مع الفيلسوف أرسطو الذي قال: «أنا مثل والدتي؛ هي تولد النساء وأنا اوّلد الأفكار».

ومن الأمثلة على اللغة الشاعرية:

«هل كانت النجوم التي تشاغلني في السماء ترانا كما نراها؛ وهل تذهب النجوم إلى الأسواق؟» (الغلاف الأخير للرواية)، و»أهملت السؤال، وكأنه لا يعنيني، فذهب السؤال في الهواء» (ص84)، و»أروض مهجتي من جديد، وأقنعها أن تسكن هذا الجسد مرة أخرى؛ أحاول أن أعيد مهجتي لجدي المتعب المعذب» (ص117)، و»شرطي مُقيَّد بسجين، أو سجين مُقيِّد لشرطي، جدل قائم بين الشيء ونقيضه» (ص118)، و»لم نعُد نسمع إلا صوت العجلات تأكل منها الطريق شيئا فشيئا» (ص121)، و»عينا أمي كحمامة بيضاء ترفرف في السماء. أما نظرات أبي فقد امتزج فيها الفرح باللوم والأسئلة المؤجلة التي كانت تكويني بنارها» (ص122)، و»انطلق زهير الانتهازي.. بقيت جالسا في الكافتيريا، شارد الذهن، عيناي مفتوحتان ولكني لم أكن أرى أحدا، وأذني مشرعتان ولكني لا أسمع صوتا» (ص139).

***

أخيراً؛ إن البساط الأحمر الذي يسير عليه زعماء تلك الفترة، خالف اتجاه بوصلة الجماهير التي كانت تسعى للحرية أولا وأخيرا؛ فلكي تنتصر، عليك أن تحيا أولا؛ فأنت «لن تستطيع أن تبني حياة من الموت ولا أن تنتصر» (ص8).