كايد هاشم

ثمة إشارات لا بد منها في الحديث عن آثار الراحل سليمان الموسى (1919- 9/6/2008) المؤرِّخ والكاتب الأديب الذي مرَّت ذكرى وفاته العاشرة مؤخراً، وفي العام 2019 تحلّ الذكرى المئوية الأولى لميلاده:

أولاها، أن سيرتَهُ، في بداياتها ومساراتها، تمثل أنموذجاً لعصامية المثقف والكاتب والأديب الأردني في العصر الحديث، في الخروج من بيئةٍ محلية محدودة الموارد، وسط ظروف تأسيس الدولة الأردنية والمراحل الأولى من عمره -منذ عام 1921- إلى الأفق العربي الأوسع والاتصال بالأفق العالمي. فأعلام جيل الرواد نشأوا وعملوا وأبدعوا وأنتجوا ونشروا إنتاجهم الأدبي والفكري في زمانٍ كان فيه مقدار الجهد والكفاح للفرد هو الطريق الوحيد للاجتهاد وبلوغ المطامح، وفي وقتٍ لم تكن هناك مؤسسات ثقافية وإمكانات مادية قادرة على أن تدفع بالكاتب الأردني إلى ما وصل إليه نظراؤه في الأقطار العربية المجاورة من الانتشار، لكن المثقفين والكُتَّاب الأردنيين في ذلك الزمان تجاوزوا بطموحاتهم كثيراً من المعوقات في فترة زمنية قد لا تتجاوز مدتها ثلاثة عقود، واستطاعوا أن يرسموا بالجهد والمثابرة والكفاح معالم حركة ثقافية ناهضة في هذا البلد الصغير بحجمه الجغرافي، أثبتت وجودها على خريطة الثقافة العربية المعاصرة وفي فضاء الفكر الإنساني.

عددٌ من هؤلاء الروّاد لم يتلقَّ تعليماً جامعياً أو عالياً وتوقّف في دراسته عند إنهاء المرحلة الثانوية أو ما يعادلها أو حتى ما هو أقل منها لدى (البعض)، لكن طموحاتهم جميعاً ارتقت بهم إلى الممارسة الأدبية والإبداعية بقدرٍ غير قليل من الجودة والتمكن والوفرة، والانفتاح على الثقافة العالمية، ومنهم مَنْ تعلموا لغات أجنبية، فترجموا منها وإليها، بل وكتبوا أحياناً مباشرةً بلغة أجنبية، وسليمان الموسى في بعض آثاره المترجمة والمكتوبة بالإنكليزية من أبرز هؤلاء، فضلاً عما تُرجِم من أعماله إلى لغات أخرى مثل كتاب «لورنس العرب: وجهة نظر عربية» في طبعاته الإنكليزية والفرنسية واليابانية. وقد ذكر لي ذات مرة أنه يعتبر من نجاحاته في الحياة إجادته للّغة الإنكليزية التي نال بها دبلوماً من بريطانيا بالمراسلة، وقد كانت الإنكليزية مفتاح دخوله عالم الثقافة والفكر من أوسع الأبواب.

الإشارة الثانية في هذا السياق، أن الحديث عن سليمان الموسى مؤرخاً أو أديباً أو مترجماً... إلخ، يظلّ في كل جانب من هذه الجوانب حديثاً مجتزأً حول شخصيته الشاملة مثقفاً ورجل فكر وكاتباً متعدد المواهب. فهو ينتمي إلى جيل يُطلق عليه (البعض) اسم «جيل الموسوعيين»، الذين ارتادوا منابع ثقافية متنوعة وتوسعت إطلاعاتهم وتشربوا أكثر من ثقافة دون أن يفقدوا الارتباط بروح ثقافتهم الأم وأصالتها، فأبحروا في محيط الكلمة وقد ندبوا أنفسهم لرسالة وهدف، ومنهم مَن كتبوا في أكثر من فن أدبي.

ورغم أنه اختار التخصص في التاريخ الحديث والمعاصر، وغلبَ إنتاجه في هذا المجال على ما عداه من فنون الكتابة الأخرى، وغدا جديراً بلقب مؤرخ الثورة العربية الكبرى والأردن الحديث، إلا أنه من الأهمية بمكان أن نضيءَ أيضاً جوانب أخرى من شخصيته كاتباً ومبدعاً، اعتماداً على أنواع المضامين والقيم التي قدّمها في كتابة القصة والمسرحية والتمثيلية والنقد الأدبي وترجمة القصص والروايات وأدب الرحلات، وليس على اعتبار الكمّ وحسب.

وأشير هنا إلى أن التاريخ والأدب في آثار الموسى يتلازمان بصرف النظر عن الشكل الذي يمكن أن يتداخلَ فيه فن أدبي مع فن آخر، فكتاباه «الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى» و»صور من البطولة»، على سبيل المثال، يجتمع فيهما البحث التاريخي في السيرة مع أسلوب القص والسرد، حتى لتخال في بعض الأحيان أن ما تقرأه أشبه بنواة روائية لسيرة النضال العربي في سبيل التحرر والوحدة والاستقلال خلال الثلث الأول من القرن العشرين.

أما الإشارة الثالثة هنا، فهي أن سليمان الموسى الأديب الذي ولج ميدان الكتابة التاريخية في فترة مبكرة من بداياته خلال النصف الثاني من الثلاثينات، لم يهجر الأدب وتذوُّق فنون الأدب حتى نهاية العمر. فقد بدأ حياته كاتباً للقصص، وكتب أحياناً الأشعار، وتجرأ يوماً على كتابة رواية أو روايتين، لكنه مع صدور باكورة مؤلفاته «الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى» (1957)، كان قد تمرس شيئاً ما في الفن القصصي ونشر بعض ما كتب وترجمَ من القصص العالمي، مستوحياً التجارب الإنسانية في بيئاتها المحلية؛ بما في ذلك البيئة الريفية الأردنية خصوصاً، وطبيعة التغيرات الاجتماعية وتأثيرها على علاقات الناس في عصرنا هذا. وتلك الحصيلة القصصية ظهرت في مجموعتين منشورتين إلى جانب مؤلفاته في التاريخ والتراجم والسير التاريخية وهما: مجموعة «ذلك المجهول» من منشورات رابطة الكُتَّاب الأردنيين (1982)، وقصصها من تأليفه، فيما قصص المجموعة الأخرى «الزوجة المثالية» هي مما ترجمه عن الإنكليزية لعدد من القاصين من روسيا وأميركا وإنكلترا وإيرلندا وإيطاليا والصين.

بل إنه خلال العامين 1956 و1957، وكان يقيم ويعمل في المفرق، ترجم عن الإنكليزية لحساب أول ناشر أردني، وهو عبد الرحمن الكردي صاحب دار النشر والتوزيع والتعهدات في عمّان، ثلاثة أعمال من الآداب العالمية هي: مسرحية «عربة طريق اسمها اللذّة» لتينسي وليامز، ورواية «الأدغال» لابتون سنكلير، ورواية «جيرمينال» لإميل زولا. ولم يتسنَّ لهذه الترجمات أن ترى النور في ذلك الوقت، بيد أننا عثرنا على مخطوطة ترجمة رواية «جيرمينال» في أوراق الناشر قبل فترة من الزمن وهي في طريقها إلى الطباعة والنشر قريباً. تُعتبر هذه الرواية من أهم الأعمال الكلاسيكية في الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر بما صورته من الصراع الطبقي في بيئة عمال مناجم الفحم وما كانوا يلاقونه من ظلم وهضم لحقوقهم.

كتب الموسى أيضاً بعض الفصول عن سيرة «برنارد شو» وآثاره الأدبية وقد كان معجباً به قارئاً لأعماله، ونشر قسماً من هذه الفصول في مجلات ثقافية عربية في الخمسينات والستينيت، وكان ينوي أن يضع كتاباً عن برنارد شو وعرض الفكرة على بعض دور النشر في بيروت، لكن يبدو أنه لم يوفَّق إلى مبتغاه. كان يرى أن مؤلفات برنارد شو تتجاوب مع الأفكار التي تجول في أذهان المثقفين العرب، وستجد مزيداً من القراء والمعجبين كلما اتسع نطاق الوعي الثقافي في بلاد العرب (مجلة «العربي»، عدد 27، شباط 1961).

وعن برنارد شو أيضاً اقتبس ولخّص مسرحية «بيجماليون» سنة 1956، وجعل أحداث المسرحية تجري في مدينة القدس، والمسرحية كما هو معروف ذات أصل يوناني تدور في إطار قصة حب بيجماليون لفتاة أراد أن ينتشلها من حضيض الجهل والذل إلى مرتبة العلم والكبرياء والسعة، لكن برنارد شو لم يختم الرواية بزواج المحب من حبيبته، بل جعلها تتزوج من فتى آخر وصفه بأنه خامل لا يملك لنفسه نفعاً. أما سليمان الموسى فعاد بالخاتمة إلى الأسطورة اليونانية وجعل المسرحية تنتهي بزواج «حنين» من الفتاة «لميس».

في هذا المجال يشار أيضاً إلى أن الموسى كان من كُتَّاب التمثيلية الإذاعية، وقد عثرتُ على نصّ جميل لإحدى التمثيليات التي كتبها وأذيعت من محطة الإذاعة الأردنية عام 1955، عنوانه «أزمة ماء»، يتناول فيه أثر قلة الأمطار في شحّ مياه الأنهار والينابيع ومياه الشرب خلال شتاءٍ مضى من ذلك العام.

يدلّ هذان النصّان في الأدب التمثيلي على أن الموسى مارس هذا النوع من الكتابة عن ميلٍ في نفسه وليس بحكم العمل أو الوظيفة التي تسلّمها في الإذاعة سنة 1957، مذيعاً ومنتجاً، وأن إجادته للكتابة التمثيلية والمسرحية نابعة من ثقافة جيدة ومعرفة بأصول هذا الفن وشروطه من حيث تشكيل المشاهد، ورسم ملامح الشخصيات، ومستوى لغة الخطاب، وتشويق المشاهد أو المستمع، وتحفيز خيال المستمع في الفن الإذاعي لتصوّر الحدث وأجوائه ... إلى ما هنالك.

كان الموسى معجباً أيضاً بالروائي والمسرحي الإنكليزي سومرسِت مُوم، وترجمَ بعض قصصه مثل قصة «عقد اللولو» الشهيرة، كما ترجم ولخّص في سنة 1954 كتاب سيرة مُوم الفكرية (The Summing up) تحت عنوان «خلاصة تاريخ فكر»، ونشره في مجلة «الأديب» اللبنانية.

ومن المفكرين والكتّاب العرب، أعجب الموسى كثيراً بسلامة موسى وإنْ أخذ عليه أنه لا يهتم بشؤون العالم العربي ويحصر اهتمامه في مصر وشعب مصر، وقال عنه: «إن الذين سيتصدّون في المستقبل للبحث في تطورنا الاجتماعي، لن يترددوا في تقدير الخمائر الفكرية التي بثها سلامة موسى ... (وخالد محمد خالد إلى حدٍّ ما برأي الموسى)، لأن أدب سلامة موسى لم يكن محصوراً في مسائل معينة خاصة، بل كان يتجه دائماً إلى الفهم الصحيح والتسامي والقوة والرقي والحب» (مجلة «الآداب»، العدد 8، آب 1956).

للموسى آراء نقدية في القصة والشعر جاءت عبر مراجعاته للعديد من الإصدارات الأدبية والتاريخية والفكرية، منها ما كتبه عن ديوان صديقته الشاعرة فدوى طوقان «وجدتها» سنة 1957، وقد كان يرى في شعر فدوى وجدانية عميقة «صهرتها الآلام ولفحتها نار الأسى والحب والانتظار»، وربما كان من قلائل مَنْ أشاروا إلى ملمح التصوّف في شعر فدوى، ومن ذلك قولها: «نادني من آخر الدنيا ألبّي/ كلُّ دربٍ لكَ يُفضي فهو دربي/ يا حبيبي أنت تحيا لتنادي/ يا حبيبي أنا أحيا لألبّي». كما أثنى على تجاوز الشاعرة لانطوائيتها بالتعبير عن «القيود الكبيرة التي تكبل عالمنا العربي، والرغبات التي تشتعل في نفوس الجيل الطالع».

في مجال الأدب القصصي رأى الموسى أن مِن أول شروط القصة الناجحة قدرتها على تصوير الناس صوراً أدنى ما تكون إلى واقع النفوس الإنسانية. ويوم نقدَ رواية عيسى الناعوري «بيت وراء الحدود» عن النكبة الفلسطينية سنة 1948، تمنى لو أن أحداً من الأدباء العرب يوفَّق إلى كتابة «القصة العملاقة الجبارة التي ترتفع إلى مستوى مأساة فلسطين، وتصور كفاح شعبنا وتضحياته تصويراً يرتفع في صدقه وأصالته وحيويته إلى مستوى القصص الكبرى في الآداب العالمية».

في مقالة له بعنوان «لماذا لا ننتج أدباً خالداً» (مجلة «الأديب»، كانون الثاني 1955) أخذ الموسى على أكثرية أدباء العرب في ذلك الحين عدم جرأتهم وشجاعتهم وإقدامهم، وأنهم يستلهمون موضوعاتهم من شوارد التخيلات ولا يفتشون عن المواد الخام لفنهم الأدبي في مظانه في الواقع.

كانت مسؤولية الكاتب العربي من شواغل الموسى، تحدث وكتب عنها مراراً، وكان من المؤازرين لتوحيد جهود الأدباء العرب في ملتقياتهم ومؤتمراتهم لبحث أحوال الثقافة في بلادهم والارتقاء بها. وفي بلده الأردن عمل مع زملائه الأدباء والكتَّاب على إيجاد جسم ثقافي ومظلة للكاتب الأردني تمثلت في رابطة الكتاب الأردنيين، التي كان الموسى قد اقترح مسماها هذا.

واعتبر أن أول سمات الكاتب المعاصر الاعتماد على رصيد واسع من الثقافة في المجال الذي يكتب فيه، وأن يكون متفتح الذهن، محباً للتطور والتجديد، شاهداً لعصره، يعيش آلام أمّته وآمالها، وأن يعبر عن ذلك في كتاباته، مناصراً الحق والحرية، متواضعاً لأن التعالي والكِبر يحملان بذور الانحدار والسقوط.

إن منهج سليمان الموسى في الحياة والثقافة والأدب تعبِّر عنه كلماته التالية:

«ليس العطاء مقصوراً بالضرورة على المال، فنحن نملك ما هو أثمن من المال، نملك العون الذي نستطيع أن نمده لشخص ما كل يوم من أيام حياتنا، ونملك المودة التي يمكن أن نفيض منها على كل مَنْ يتصل بنا، والمودة والعون هما أثمن من المال في أكثر الحالات.. ونحن نعتز بتاريخنا وبأولئك الذين صنعوا تاريخنا، ونحن نفخر بما ترك لنا أجدادنا من تراث ومن ذكريات، ولكن تراثنا وتاريخنا لم يجيئا عفواً، بل هما نتيجة أعطيات بذلها أسلافنا، أعطيات مجبولة بالدماء والعرَق والدموع، أعطيات حافلة بالمجد والنَّصَب والمخاطر».

كانت سعادةُ سليمان الموسى -رحمه الله- في العطاء، وما أنبله من عطاء وما أسماه من منهج.