سألني بعض الأصدقاء, بعد مقالي الذي نشرته الرأي الغراء بمناسبة دخول جماعة عمان لحوارات المستقبل عامها الرابع, مسلحة بمئتين واثنين وتسعين نشاطاً ميدانياً، أنجزتها خلال ثلاث سنوات،غطت فيها الأردن من العقبة إلى الهضبة، كيف استطاعت الجماعة، أن تنجز هذا الكم من الأنشطة ،مع الحفاظ على نوعيتها وتميزها وهما: النوعية والتميز ،اللذان حققا للجماعة حضوراً واحتراماً لافتاً، ثم تأثيراً واضحاً ؟

أما الجواب على سؤال الاصدقاء، فهو الحمدلله ،ثم الرجاء منه سبحانه وتعالى, بأن يكون تقييم هؤلاء الأصدقاء دقيقاً, من حيث الحضور والتأثير والاحترام، وهي الصفات التي أطلقوها على جماعة عمان لحوارات المستقبل, لأن هذا هو رأس المال الحقيقي, بخاصة لكل من يعمل في الحياة العامة بتجرد, وهو ما نطمح إليه في جماعة عمان لحوارات المستقبل, لذلك فقد كان أول شيء حرصنا عليه هو نيل احترام مجتمعنا الذي من أجله تأسست جماعتنا, وحتى ننال هذا الاحترام, كان لا بد من أن يقوم بأعمال الجماعة رجال ونساء محترمون في ذواتهم, يحترمون غيرهم, لذلك كنا حذرين جداً في قبول العضوية, شديدي التأني في ذلك.

غيرالحرص على الاحترام فقد حرصنا منذ البداية على الصدور من منبع عذب صافي, هو فكر هذا الوطن وتاريخه وتجربة أناسه الطويلة ثم البناء عليها, فقد شبع وطننا من استيراد التجارب والأفكار والنماذج وصار من حقه علينا أن نبني تجربتنا الوطنية, المستمدة من تاريخنا وحضارتنا, دون أن ننغلق على أنفسنا, بل أن نحافظ على أهم ما في مجتمعنا من مزايا وقيم هي قيمة التنوع التي يمتاز بها, لذلك جاءت عضوية جماعة عمان لحوارات المستقبل انعكاساً حقيقياً للتنوع الثري لمجتمعنا الأردني في كل مجالاته وخبراته, ولذلك فإننا نعتز بأننا تجربة وطنية أردنية غير مسبوقة من حيث الشكل والمضمون والأداء.

ومثلما كان حرصنا شديداً على المنبع فقد كان حرصنا أشد على الورود إلى مصب أشد عذوبة وصفاء, هو حوض الوطن الأردني, الذي نحب, والذي نحرص على أن لا يصب فيه, إلا الماء العذب الرقراق الزلال الصافي, لذلك كنا حريصين على نظافة مجرى نهر هذه الجماعة من المنبع إلى المصب, مع إيماننا المطلق بأن المجرى سيحمل في بعض المراحل ما يعلق بمجرى الأنهار من شوائب وعوالق, لكن الأنهار القوية تتخلص في العادة من هذه الشوائب والعوالق, ولا يبقى فيها إلا الماء المنتمي لمجراه, المندفع نحو هدفه, لا يقف في وجهه شيء, وهذه من معجزات الماء, فهو بمقدار ما يبدو لنا سهلاً ليناً لكنه عندما يثور ويندفع فإن لا شيء يقف في وجهه, والأدلة على ذلك كثيرة.

ومثل حرصنا على المنبع والمصب فقد حرصنا على أن تأخذ جماعتنا من الماء عذوبته وقدرته على منح الحياة, مثلما حرصنا على أن تأخذ منه قدرته على التجريف, لأننا في جماعة عمان لحوارات المستقبل نعمل في المنطقة الوعرة من الإنسان, هي منطقة القيم والمفاهيم والقناعات, فنحن حريصون على ترسيخ منظومة قيم أمتنا الأصيلة, ساعون إلى تنبيه مجتمعنا إلى ما اعتور هذه المنظومة من اختلالات سلوكية, خاصة في حياتنا الاجتماعية, وهي مهمة تحتاج أول ما تحتاج إليه الصبر والأناة, فنحن لا نبني حجرآ ولكننا نسعى للمساهمة في بناء البشر, على الصورة التي يحتاجها وطننا, وهي مهمة شائكة, مثلما تحتاج إلى صبر فإنها تحتاج إلى الهمة, ولذلك فإننا لا نستغرب ولا نعتب وقبل ذلك لا نستهجن أن ودعنا في بعض مراحل المسيرة بعض من كان معنا, فلكل همته ومهمته, ولكل طبعه وطبيعته, مثلما أن لكل ظروفه, مطمئنين الى أن المقبلين على جماعتنا أضعاف المدبرين, ونحن في كل الأحوال نربي أنفسنا على الصبر وعلى العمل الجماعي, وقبله على التفكير الجماعي لأنه ما خاب من استشار, ولأن يد الله مع الجماعة آملاً ان أكون قد أجبت ولو جزئياً على سؤال أصدقائي.