مفلح العدوان

كانوا ستة حوله، قبل أن يصحوا..

هو نام قبل «قطمير»، لكن هذا الكلب صحا قبله، ونبح، وبدأ الآخرون يتقلبون في أماكنهم، كأن الحياة التي عاقروها مرتين، توشك أن تَمنح لهم الآن فرصة ثالثة.

هل يكون هذا هو النباح الأخير لـ»قطمير»، خلاصاً لهم من سجنهم الأبديّ داخل جدران هذا الكهف؟!

***

هذه المرة حاول أن يوقظهم جميعا..

مَرّ عليهم واحداً واحداً كي يتأكد من صحوهم قبل أن يقول لهم: «انتظروني حتى آتيكم بالطعام». ومشى كلبه «قطمير» أمامه يرمح كأنه سئم من تلك المئات من السنوات التي قضاها باسطاً ذراعيه أمام بوابة الكهف الذي مكثوا به كل تلك السنوات التي قضوها في خمول النوم.

يعرف جغرافية المكان جيدا، لكنها تتشابه عليه الآن، وقد كان كل ليلة جمعة، طيلة السنوات الماضيات، يفيق لحظات على نباح «قطمير» الذي كان كأنه يُعلن غياب الموت عنهم، وحضور النوم وحيداً على أجفانهم وإن امتدّ الزمان، يلتفت حوله، فيراهم بكامل وَسَنِهم، ويسمع نُتفاً من القصص التي كانت تُحاك حول الكهف الذي التجأوا إليه هربا من الطاغية «أدريانوس»، وأساطير دينه الذي ملّوا خرافاته، وآثروا اللجوء إلى إلهٍ واحد يناجونه، ويرتلون له مظالمهم، ويتقربون إليه بالصلوات الطيبات!

***

عبث بجيوبه.. كان بها بعض نقود غطّاها الصدأ..

وكانت ملابسه غريبة عن من حوله من البشر الذين ينظرون إليه باستغراب، وهو يشير إلى تلك الحافلة التي توقفت عن فضول أمامه؛ لم تكن حصانا، ولا دابة، بل عربة تسير بلا حيوان يجرها، ولها أربع عجلات. استغرب منها، لكنه ركب فيها وهو يسمع سائقها يحادثه.

لم يفهم اللغة، لكنه عرف من إشارات يديه أنه يستفسر منه عن سبب لبسه تلك الملابس الرومانية القديمة!

***

أنزله السائق في وسط البلد..

تعوّد عليه البشر سريعا، ربما لأنهم أدمنوا كل غريب، وقد يكونون تعودوا على كل مختل، في المدينة، فغابت عنهم الدهشة عند رؤية مخلوقات جديدة حتى لو كانت قادمة من القمر، أو منحدرة من أزمنة بائدة عتيقة، ولعلهم اعتقدوا أنه ممسوس آخر انضم إلى مجنون عمّان الذي يلبس بزّة نابليون ويذرع بكبريائه شوارعها كأنه سيّدَها الأوحد، الآن هناك وجه جديد، يشاطره سيادةَ الدروب، لكنه يلبس ملابس رومانية قديمة ويرافقه كلب عتيق الهيئة.

***

حاول أن يشتري طعاما لأصحابه..

ضحك الباعةُ منه، ومن تلك العملة التي يحملها معه!

أروه العملة الجديدة التي يتداولونها، فأيقن بأنه في زمن غير زمانه، ودولة غير تلك الدولة التي اضهدته وأصحابه لمبدأ اعتنقوه، عن رغبة أكيدة في تغيير السائد حولهم!

أراد أن يشتري طعاما، فأعطوه صدَقة له ولأصحابه، دون أن يأخذوا منه مالا.

أحس بالإهانة، وراودته رغبة بالعودة إلى موته الكريم.

مشى في المدينة كي يعرفها أكثر، فتبيّن له من بعض حجارتها المتبقية أنها إحدى مدن «الديكابولس»، ولعلها فيلادلفيا التي يتذكرها قبل غيابه الأول في ملكوت النوم.

تذكّر أنه صحا مرتين قبل هذه المرة وكانت تصادفه المعضلة نفسها، ليعود بعدها ووراءه الحشود المستهجنة حتى بوابة الكهف قبل أن يغلقوه عليه وأصحابه ليعاودوا النوم مرة أخرى.

هل تكون هذه المرة الأخيرة؟

مرر يديه على ظهر «قطمير»، كلبه الذي صار أشهر كلاب التاريخ، بعد أن تم ذكره في الكتب المقدسة، وكتب السيرة، والتاريخ.

تساءل مستغربا: كيف صارت للكلاب هذه القيمة؟ ومَن أعطاها هذا المقام الرفيع لتقترن بسيرة القديسين أمثاله؟ بل إن «قطمير» مبشَّر بالجنة هو وناقة صالح، وذئب يوسف، وبقرة اليتامى. يتذكر حديثا سمعه ذات صحو في زمن قديم أيضا!

استهجن الحالة، لكنه رأى الجموع تزداد حوله، ورأى مترجماً، ورجال شرطة، واقترب منه محقق أخذ يسأله، كأنه مجرم: (من أنت ؟). أجاب: (أنا «يمليخا»). يكمل المحقق استجوابه: (أين تقيم؟). قال بسرعة: (في الكهف، هناك حيث القرية التي تنادونها الآن بالرقيم، أو الرجيب). يسترسل المحقق في أسئلته: (مع مَن تقيم في الكهف؟). أحس بالملل من هذا الاضطهاد، ورغب في أن يعود إلى نومه هناك، لكنه أجاب: (هربنا من الظلم، أنا ورفاقي الذين اضطهدَنا الملك «أدريانوس».. كنا سبعة: أنا، و»مكسملينا»، و»مشلينا»، و»مرطونس»، و»دبريوس»، و»سرابيون»، و»أفستطيوس»، وكان ثامننا هذا المُخلّص لنا، كلبنا «قطمير».. هل تريدني أن أكمل حكايتنا؟ لا بد أنك تعرفها؟ ربما تعيش جزءا مما عانيناه سابقا، لكنك دائم الصمت، أنت وهؤلاء؟ ولكن في كهف مختلف.. هل أُكمل؟).

شَعر المحقق بالحرج من تلك الجرأة التي قابله به «يمليخا» ابن الكهف..

نظر حوله فكان الجميع، الذين وصفهم «يمليخا» بـ(هؤلاء)، يستمعون باهتمام إلى الحوار..

أعاد نظره باتجاه «يمليخا»، وهو يقول: المهم أين أجد بقية تفاصيل قصتك؟

جاءه الجواب ضحكة، ونباح كلب، ثم صوت كأنه قادم من قرون قديمة:

(هناك في الرقيم، هناك لوح من الرصاص، عليه القصة كاملة، وأسماء أصحابها.. هناك في الكهف الذي ستغلقونه مرة أخيرة!).

مشى المحقق..

مشى معه «يمليخا»، و»قطمير»، وسار خلفهم جمعٌ من أهل المدينة.

ركبوا الحافلات، وسارت قافلة من السيارات باتجاه الرقيم..

توقفوا أمام الكهف.

رأوا شاعرا مثل الخيال، يتكئ على عصا طويلة، كأنه يريد الدفاع عن حرمة الكهف وقداسته..

رفع صوته بوجه الجميع..

أنصتوا له قبل أن يختفي:

(وليس بها إلا الرقيم مجاورا

وصيدهم والقوم في الكهف هُجَّد).

***

انتظروا عند العتبة..

كانت البوابة حارسا على غربة اليقين فرارا من أنياب الظلم.

توقفوا كأنهم يستميحونها عذرا في الدخول، وهي ترتل على مسامعهم:

(..وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، لو اطلعت عليهم لولّيت منهم فرارا ولمُلئت منهم رعبا..).

التفت الجميع إلى المحقق، وإلى صاحب الكلب، وحدّقوا في الكهف الذي صار ذات زمان كنيسةً، وفي زمن آخر مسجدا، لكنه بقي هيكلا للحرية، ورمزا لمن هرب من الظلم، هجرة في سبيل إيجاد أجوبة عن أسئلة كثيرة كانت تراود من واطنه!

كانت المدينة كلها تنتظر تكملة القصة، وتتابع أخبار أهل الكهف في صحوتهم الجديدة وقد بدوا أكثر شبابا.

وقفوا، وتركوا أماكنهم التي كانوا ينامون فيها، ثم بدأوا يتحركون إلى الباب استقبالا لضيوفهم بعد دهر من الغياب عن البشر.

رحبوا، وهللوا بالقادمين إليهم..

أدخلوهم إلى صدر الكهف، وتركوه لهم.

ضاق الكهف بالقادمين إليه من أهل المدينة الذين بدأوا يشعرون بالنعاس، ويرغبون بالنوم في مقامهم الجديد هذا.

خرج السبعة وثامنهم كلبهم، ثم وضعوا صخرة كبيرة على بوابة الكهف، ونزلوا بكل حريتهم يبحثون عن أناس مثلهم ناموا مرات عدة، وبقوا ينتظرون الفرصة ليعودوا الى الحياة مرة أخرى بلا رقيب يتعقبهم!