بسمة فتحي

يحيى

انطفأ الضوء في روحي، لا وجود لأي مُحفّزٍ للحياة، تعبتُ من أمس وهو يجُرُّ اليوم ليبدأ، واليوم وهو يستجدي الغدَ ليمرّ بسلام، صعبةٌ هي الحياة في انتظار الليل ليُعلنَ انتهاءَ معاناةِ يومٍ بالنوم العنيد. أشعر بالقرف من أدويتي التي أسكبها بجسدي كي تتوازن نفسي لأبدو إنساناً طبيعياً! حين بدأت حالتي بالتدهور أعلمتني أمي أن الأمرَ ليس بسببي، فلستُ المتّهم بدماري الداخلي، ثمة جينات لا شأن لي بها تعبث بي وتضعني تحت رحمتها، فتارة أكون «يحيى» العاقل وبعدها «يحيى المسكون»، كم خجلتُ في أوقات وعيي من نظرات المحيطين بي، أخاف سؤالهم ماذا فعلتُ أو قلتُ في أوقات اللا اتزان واللا عقل، أتمنى أن أتلاشى، أو أن أستقرَّ على الجنون فلا أشعر بخجلٍ أو رغبةٍ بنكران نفسي.

نعم، مللتُ كل هذا خلال سنوات عمري الخمسين، وبشكلٍ فاضحٍ جداً بعد وفاة أمي التي حرصتْ أن تناولني أدويتي قبل أدويتها المسؤولة عن توازن ضغط دمها وسكّره، وتعاند نسوة الحيّ وتجادلهن: «شوفوا ما أحلاه، وما أحسنه، والله ما فيه شيء، لو فيه شيء، بشتغل بالحكومة؟!».

صدّقها أهلُ الحَي، ربّما لأن الصدفة منحتني وظيفةَ مراسلٍ في دائرةٍ حكومية، ولم أُسرَّح منها لسنوات، لسبب سمعته عشرات المرات، يتعلق بحسن الخلق وتنفيذ ما يُطلب مني بصمت!

أمي، ووظيفتي، سهّلتا عليّ فرصة الحصول على زوجة جميلة أيضاً، لكنها عَرفتْ علّتي وسوء حالي مبكّراً، سأعترف بما أنني في أصفى حالاتي الذهنية، أنني قمتُ بالاعتداء عليها جسدياً ونفسياً عشرات المرات، خلال سنَتَي زواجنا وفي كل مرّة وحين يعود إليّ بعض رشدي أعتذر لها وأبكي معها، وكان كرماً منها أن تسامحني، بل وحين تركتني علّلتْ للناس هجري بأنني لم أستطع منحها ولداً وليس لكوني مريضاً نفسياً!

فشلتُ حتى في منح حياةٍ لطفل، وأحمد الله على فشلي وإلّا حمل المسكينُ جيناتي واختلالاتي...

أفقدني الموتُ أمي، أتركني المرض زوجتي، تركتُ أدويتي لاختلاطها عليّ، فاتّسخت ملابسي، وطال شَعري، وتشعّثت لحيتي، وانطلقت على لساني أسوأ الألفاظ والكلمات النابية إن انتقدني أحدهم، صار عادياً أن أسمع من الناس أن «يحيى انجنّ رسمي». أما عملي، فقد تأخرتُ وتغيّبتُ عنه، لم أعِ معنى «إنذار أول» ثم «إنذار ثان»، ثم «إنذار ثالث»، وبالتأكيد تقييمَ «ضعيف» لأدائي، حتى انتهى بي المطاف أن اعتديت على رئيسي المباشر بالعمل، وتالياً تركني عملي هو الآخر، ولم يتبقَّ لي منه غيرُ راتبٍ تقاعديّ يكفيني سؤال الناس.

تعبتُ، واكتفيتُ من كل هذا، وأخذتُ قراري..

الأخت الوحيدة

ضاع يحيى تماماً بعد وفاة أمي، لم أنجح بأن أشْغُلَ مكانها وأُصبح أمّه، أحبه كثيراً، يَكبُرَني عمراً، وأكبره في امتحانات الحياة أو هذا ما ظننته.

يحيى رجلٌ حنونٌ، طيبٌ، لطيفٌ، وكريمٌ عليّ وعلى أطفالي حين تُضيّقُ الدنيا يَدَها علينا. جاءني قبل الحادثة بأسبوع، شكا لي من حاله الواضحِ للعيان: «أخوتي الذكور لا يهتمون بي، ويخجلون مني، نساؤهم لا يتذكرنني بالطعام أو الشراب وحتى إنهن يمنعن أبناءهن من زيارتي أو التحدث إليّ، اتسخ مكان إقامتي وفاحت رائحته، أخاف من الوحدة والشيخوخة، أخاف ألم المفاصل وخذلان الجسد، أما العقل.. (سلامتك.. ضايع من أساسه!).. خائف أنا، ماذا سيحدث لي بعد عشر سنوات من الآن؟!».

في زيارة يحيى لي كان طبيعياً تماماً، صافيَ الذهن، متّقد الهِمّة، كان القهر والضعف يقتلانه، حاولتُ التخفيف عنه، وأن عليه الالتزام بأدويته، وأن يهتم لطعامه وهندامه ولا يأبه لقلة عقل النساء، كانت عينا يحيى مُطفأتين، خفتُ عليه، وقبل أن يتعاظم خوفي ناولني كل ما يملك من مالٍ ادخره خلال سنوات عمله ولم يعرف كيف يصرفه أو يتصرّف به، قال لي: «سأموت قريباً، ستحتاجونه لمصاريف موتي ولا أريد أن أثقل على أحد، وما يتبقى منه هو حصّةٌ لأولادك».

«الهلوسة استولتْ على ذهنه مجدداً».. هذا ما حدّثتُ به نفسي أول الأمر، ولكن تحت إصراره خبأتُ المالَ، وقدّمتُ له الغداء. تناوله بشراهةٍ، لَعِبَ مع أولادي وضحِكَ معهم، انتقل بعدها إلى حالة بكاءٍ حاد ظننتُ سببها التعب والإرهاق الناجمين عن الركض والنطنطة في الشقة الصغيرة، نهرتُ أطفالي أن يبتعدوا عن خالهم، تشبّثَ بهم، «اتركيهم، ديري بالك عليهم، ولا تزعليهم!».

هل سلّم عليّ سلام مُودّع حين أنهىَ زيارتي؟ لست أذكر، ما أذكره جيداً أنه قبّل أطفالي كثيراً وأوصاهم أن يهتموا بأمهم..

شاهد عيان في باحة المسجد

أهل الحي يعرفون يحيى جيداً، وأن حاله استقرّ على سوء، يتعامل معه العقلاء وكبار السن بلباقةٍ مشوبةٍ بالشفقةِ على حاله وسنوات عمره، أما الأطفال فلا مسيطر على سلوكهم، يتضاحكون منه ويرشقونه بالقمامة حال رؤيتهم له، فيبادلهم بالصمت في بادئ الأمر، ما يلبث أن يتحوّل إلى صراخٍ وركضٍ خلفهم ولعْن مَن أنجبهم إلى هذه «الدنيا السافلة».

لم يكن ثمة ما يلفِتُ الانتباهَ يوم الحادثة، صلّينا صلاة الظهر من يوم الجمعة، كان بيننا بكامل أناقته وهدوئه واتزانه، هناك من تفاءل بأن حال يحيى يعود للتحسن، ولكن ما إن فرغ المسجد من أهله، حتى رأيت وإمام المسجد النارَ تأكُل ملابسَ يحيى، شعرَهُ، جسده، ويصيح بأعلى صوته بكلماتٍ لم تكن مفهومةً في البداية. حاولتُ وإمام المسجد أن نُطفئ النار. كانت سريعةً، ملتهبةً، مشتعلةً بقوة. كان يصيح: «أنا من سكَب البنزين على نفسي وأحرقها، وليس أحدٌ سواي، لا أريد مساعدة، لا أريد الحياة».

عاد معظم المصلّين إلى باحة المسجد، هناك من ساهم في إطفائه ونقل يحيى إلى أقرب مشفى، وهناك مَن بقي في الباحة يحوقل ويوحّد الله، ويدعو لنفسه وعياله بالعافية ودوام نعمة العقل والدين.

هند

لم تتوقع هند التي تعمل ممرضةً في قسم الحروق في المشفى أن تشاهد يحيى وقد غطّت الحروق جسده ووجهه، كان ما يزال يتنفس ويهلوس، عرفته من صوته، صاحت حالَ تأكدها من هويّته، ودخلتْ في نوبة بكاءٍ حاد، شعرتْ بمسؤولية ما حدث. «كنت أنظّف حريق طفل حين سألني أحد المراجعين: هل نشوب النار في الملابس يؤدي إلى الوفاة؟ أجبته (نعم، إن كان مع مادة مساعدة على الاشتعال مثل البنزين). هل أنا من قتله؟ أنا السبب؟!».

موقع إخباري إلكتروني

رُصد خبر يحمل عنواناً: «خمسيني يحرق نفسه»، وورد في متن الخبر:

«أقدمَ خمسيني من سكان منطقة الحي الشرقي بحرق نفسه، بعد أدائه صلاة الظهر، ولم تُعرف أسباب انتحاره بعد!». أما تعليقات القرّاء فكان معظمها يدور حول «خمسيني ينتحر؟ إلى جهنّم وبئس المصير»!

وبهذا انتهت حياة يحيى..