أبواب - وليد سليمان

ذاكرة المدينة هي جزء هام من الثقافة والانتماء الوطني لسكان عمان .. فأين اختفى هذا المكان التراثي العريق مقهى زهران !! فعندما نسير هذه الأيام في شارع راس العين ننظر بحسرة و ألم ثقافي !! لأن مقهى زهران - عليوة - قد أغلق أبوابه منذ أسابيع عديدة !! .

سألنا جيران المقهى الذين قالوا : إنها لأسباب مادية منها ارتفاع ايجار المقهى كثيراً ! نرجو ان يعود مقهى زهران الى أيام عهده القديمة المليئة بالتاريخ الاجتماعي والفني والثقافي ! .

فمقهى زهران كان شاهداً على تاريخ حميم وزمن جميل , عبر الاحداث والشخصيات والتطورات الحضارية التي كان لمقهى زهران حصة المتابعة والاشتراك فيها ! .

فهذا المقهى لمؤسسه الراحل محمود عبد القادر والشهير بِ (إعليوَه) كان يندمج مع زوار عمان قديما وهم الحجاج القادمين عبر الاردن وعمان لأداء مناسك الحج , حيث كان هؤلاء الحجاج من غير العرب مثل الاتراك واليوغسلافيين والبوسنيين في فترة الخمسينيات والستينيات ينصبون خيامهم البسيطة في الساحة الترابية القريبة من المقهى ؛ حيث كانوا يشربون الشاي والقهوة والماء البارد من مقهى زهران ..عدا عن عقد العلاقات الانسانية والدينية التي كانت تتم مع مواطني منطقة رأس العين و الحجاج الذاهبين الى مكة بالباصات والشاحنات.

ومقهى زهران الذي تم افتتاحه في العام 1954 و يقع امام مباني قاعة عمان وامانة عمان الكبرى , شهد قديما بعض مجالس الصلح العشائري من جاهات وعطوات في قاعة هذا المقهى الشاسع .

وعن بدء انشاء هذا المقهى فقد كان «عليوه» صاحب هذا المقهى يعمل قديما موظفا بسيطا في العام 1948 في المقهى الشهير والذي اغلق مؤخرا (مقهى الجامعة العربية ) الذي كان يقع امام المسجد الحسيني .

ثم ان عليوه صنع في منطقة رأس العين قرب نبع رأس العين مقابل - شركة الكهرباء» جاليري راس العين الآن - كشكاً صغيراً لعمل المشروبات الساخنة من شاي وقهوة ويانسون , ثم انه فكر بافتتاح هذا المقهى الكبير في الجهة المقابلة .

ملتقى الأحبة و الأصدقاء

وكان عليوه قد اطلق على مقهاه في البداية اسم (مقهى الفردوس ) ولكنه بعد سنوات وتيمناً باسم قصر زهران , غيَّر اسم مقهاه الى مقهى زهران الذي يرفع شعارا وبالخط العريض على (لافتة ) المقهى جاء فيها : « مقهى زهران ملتقى للأحبة والاصدقاء واهل الثقافة الكرام « .

وليس من المستغرب ان نعرف ان سمو الامير الحسن بن طلال كان من رواد هذا المقهى الجميل والهادئ - قبل نحو عشر سنوات - حيث ارتاده سموه عدة مرات مسترخيا مع نفس من الارجيلة ,يشاهد باستمتاع بعض رواد المقهى العاديين وهم يمارسون لعبة طاولة الزهر .. ففي المقهى صور كبيرة لسموه وهو يجلس شاهدا على ألفة عمان وألقها الشعبي .

وفي ستينيات القرن الماضي ارتاد هذا المقهى عدة مرات الراحل جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه.

وهناك شخصيات فنية اخرى من اردنية وعربية ارتادت هذا المقهى منذ سنوات سابقة قديمة مثل الفنانين : سمير غانم، شعبان عبد الرحيم، سيد زيان ، محمد نجم، ربيع شهاب، انطون شمعون عازف الكمان الشهير والذي كان يقطن بالقرب من هذا المقهى .

وكذلك ايضا المرحوم مطرب الرجولة الشهير قديما فهد بلان , الذي كان يعمل في عمان في سوق السكر وذلك قبل احترافه وشهرته بالغناء ورحيله عن الاردن!.

فنانون من الوطن العربي

وكذلك جاء الى هذا المقهى في سنوات سابقة كل من الفنانين المعروفين :عادل امام والمطرب محرم فؤاد ، والفنان الكوميدي محمد رضا والفنان احمد زكي والمطرب فؤاد حجازي والموسيقار جميل العاص .. ومن شخصيات عمان السياسية المعروفة د . ممدوح العبادي والذي كان يرتاده باستمرار قديما ايام الشباب.

والحديث عن مقهى زهران والذي تنوع رواده من رجالات الدولة والسياسة والاقتصاد والفنون .. فان العديد من فئات اخرى كانت يرتاد هذا المقهى الأليف والشعبي والأنيق :كالمحامين والتجار والصحافيين والكُتاب والرياضيين والمواطنين العاديين ايضاً .

ومنهم كذلك الصحفي مصطفى صالح والرياضي محمد جميل عبد القادر وعازف العود قاسم صبح و المؤرخ عمر العرموطي والشاعر عبد الرحمن المبيضين ... الخ .

وكان مقهى زهران قديما ملتقى لاجتماعات النقابيين والحزبيين , وذلك في فترة الستينيات من القرن الماضي , حيث لم يكن ثمة قاعات كافية لمثل هذه اللقاءات قديما فقد كانت عمان صغيرة المساحة والمباني .

والجالسون من رواد هذا المقهى المغدور كانوا يستمتعون بما يبثه المقهى من اغاني الطرب الاصيل للمشاهير : محمد عبد الوهاب وام كلثوم وفريد الاطرش ووردة الجزائرية وصباح فخري ووديع الصافي .

وكانت تختلط في بعض الاحيان صيحات الرواد !! ممن خسر او فاز في لعبة الهند او الزهر, او ان يسمع احدهم ينادي الجرسون لطلب نارة ( فحمة) مشتعلة للأرجيلة التي كادت تنطفئ .

وكان يتخلل ذلك ايضا التواصل الروحي ما بين بعض رواد المقهى , الذين يجلسون معاً دون لعب الشدة او الطاولة !! بل هم يتحدثون في شؤون الدنيا والحياة اليومية والذكريات القديمة , والحوارات الفنية عمن صوته الاجمل من عمالقة الغناء التراثي الاصيل , او انهم يتحدثون في شؤون البيع والشراء والتاريخ والثقافة والفن والسياسة .

الكراسي وكهارب الزينة

وقديماً كان لمقهى زهران الرياده والميزة لإنفراده ولسنوات طويلة في فترة الستينيات والسبعينيات ؛ وذلك بتأجيره الكراسي بالمئات مع الصيوانات والطاولات وكهارب الزينة , حيث لم يكن احد غير مقهى زهران يقوم بهذه الخدمة في عمان وفي الاردن عموماً ! .

وممن كان يستأجر تلك الكراسي الفخمة من هذا المقهى مثلا الديوان الملكي والجيش وامانة عمان وقصر الثقافة ومعرض عمان الدولي والمدرج الروماني .. لكن تلك الخدمة ألغيت من مقهى زهران مؤخرا بعد ان ازدادت محلات تأجير الكراسي واقامة الصيوانات في كل مكان من مناطق الوطن .

شارع رأس العين

ومن ذاكرة حي او شارع رأس العين الذي يقع فيه هذا المقهى العريق , نذكر أنه كان يزخر بالفعاليات التجارية والصناعية والرياضية والاجتماعية وغير ذلك.

لكن هذا الشارع تقلص واختفى منه قبل عدة عقود جانب من جانبيه وهو المحاذي لسيل عمان.. اذ قامت وانشئت في مكان هذا الجانب المباني الحديثة والضخمة لكل من امانة عمان الكبرى ومركز الحسين الثقافي وقاعة المدينة .

واذا ما تتبعنا اول هذا الشارع والذي يبدأ من عند اول طلوع المصدار وجسر المهاجرين (ساحة النوافير الآن) فاننا سوف نتذكر مباني شركة الدخان الاردنية التي أزيلت منذ نحو20 عاماً , وبجانبها كانت توجد بقالة قديمة شهيرة لصاحبها ذي الاصل السعودي (العقيلي) حيث كان ايضاً معروفاً كصراف للنقود ! اذ كان يتعامل معه سكان هذه المنطقة وغيرهم وكذلك باعة الحلال والقوافل القادمة من السعودية لبيع الحاجيات والماشية.

نبعات ماء للشرب

ومقابل شركة الدخان على الجهة الاخرى لهذا الشارع كانت توجد نبعات ماء ومطاحن للحبوب ضمن مساحة واسعة , مثل نبع ومطحنة السعودي، ثم نبع ومطحنة ملحس، حيث كانت سيارات تنكات الماء تقف لتعبئة الماء ومن ثم نقله وبيعه للاماكن التي لم تصلها آنذاك خطوط ومواسير مياه الشرب.

و أمام هذه النبعات والمطاحن وبالقرب من جسر المهاجرين على الشارع العام كان يتواجد مقهى فخم اسمه (مقهى الانشراح) وبجانبه صيدلية وصالون حبوّل ومتاجر بيع اكياس الطحين ومحل صغير (للشيخ حظ) الذي كان شهيراً بصنع وبيع السوس والخروب وحلوى التمرية او الزلابية.

النوادي الرياضية

ورجوعاً للمسير على الرصيف المحاذي لشركة الدخان الى الامام باتجاه رأس العين نتذكر هذه الشرفة المزخرفة الحديدية ببلكونة طويلة كانت تابعة لمقر (نادي الهومنتمن) الرياضي العريق في فترة الخمسينات وما قبلها ايضاً، اذ كان من احد النوادي الشهيرة في عمان بممارسة لعبة كرة السلة مع زملائه من النوادي الاخرى مثل النادي الاهلي ونادي الاردن.. وبجانبه كانت تتواجد محلات مال وقبان لتجارة وغربلة وطحن وبيع الحبوب المتنوعة، و مطبعة النجاح القديمة وبيت آل نغوي.

ومقابل نادي (الهومومنتمن) على الرصيف المقابل كانت توجد عدة محلات منها كراجات تصليح السيارات وبيع الاطارات (ميشلان) وكذلك سكراب - قطع السيارات الخردة- .

حديقة على سطح بيت

وبجانب هذه الكراجات والمحلات مطبعة اخرى تحت الارض.. و كانت توجد أرقى وأجمل عمارة ضخمة ملونة هي عمارة (الشالاتي) والتي بنيت في اوائل الستينيات كشقق سكنية، ومن خلفها تحت مستوى الشارع وعلى مستوى السيل كانت للشالاتي مصبغة ضخمة لخيوط النسيج .. وبجانب عمارة الشالاتي كانت معصرة قديمة للسيرج والحلاوة والكسبة لصاحبها (ابو خليل) و كان منزله الفخم فوق المعصرة يطل على الشارع.. و بيت ابي خليل تميز بسطحه المكشوف والمزروع بمئات قوارير وتنكات الزهور والورود ,, الذي يتميز بروعة منظره وكأنه بالفعل حديقة معلقة للناظرين له من سفح جبل النظيف العالي .. وكان ابو خليل رحمه الله وزوجته دون اولاد سوى شقيق له دائم الانشغال بترتيب وتنظيف البيت والسطح والعناية اليومية بالازهار.

وخلف المصبغة والمعصرة وقرب السيل - سيل رأس العين المكشوف - كانت هناك مزرعة ابقار لبيع الحليب وصنع اللبن لم تلبث ان انتقلت الى حي نزال.. وبالقرب من المزرعة كانت مطحنة شرايط لطحن الملابس القديمة لتصبح اشبه بالقطن لصناعة المخدات والفرشات واللحف .

وعندما نتقدم على نفس الرصيف فاننا نتذكر كذلك بعض الكراجات الشاسعة , وكذلك المزارع والبساتين الكبيرة التي كان اصحابها يزرعون فيها الخضار وبالذات الورقيات مثل البقدونس والفجل والنعنع والبصل الاخضر.. وفي شهر رمضان كنا نرى بسطات هذه المقبلات تباع على رصيف هذه البساتين في شارع رأس العين حيث اقبال الكثيرمن الناس الصائمين على شرائها .

محلات و مشاغل

وبعد موقع البساتين أقيمت ثلاث محطات للمحروقات , ومن جانبها كانت قديماً مقبرة بدائية وسوق للحلال ثم مسجد رملي مكشوف محاط ببعض الحجارة كان يسمى بِ (جامع العقيلي).. ومخبز صغير قديم يخبز لأهالي المنطقة عجينهم لقاء قروش قليلة صباحاً وظهراً، لكن في المساء يصنع خبز الكماج ليبيعه في سوق الخبز في شارع الملك طلال وسط البلد .

وبالقرب المقبرة كانت توجد معامل طوب , ثم ساحة كبيرة جدا هي ساحة ملعب النادي الاهلي الرياضي الاجتماعي الشهير والذي اسسه الشراكسة قديما .. وكان مقر النادي هذا قد بُني من الحجر الابيض الجميل , وملحق معه ملعب صغير خاص بلعبة كرة السلة التي كانت تستقطب جماهير كثيرة في أماسي صيف عمان .

و خلف النادي الاهلي كان وما زال (نبع رأس العين) الشهير إذ يغذي بمياهه معظم مناطق عمان القديمة (عمان الصغيرة آنذاك).

ومن بعد النبع كان وما زال متنزه رأس العين (تقلصت الان مساحته) الضخم الجميل باشجاره وازهاره ومقاعده وممراته وبيوته الخشبية , يرتاده سكان عمان ويتنزهون فيه باستمتاع.

وبالقرب من النادي الاهلي كانت توجد اطفائية عمان بسياراتها الحمراء اللون الجاهزة لإطفاء أي حريق.

ورجوعاً الى الجهة الاخرى من شارع رأس العين وبالذات المنطقة المقابلة للمعصرة وعمارة الشالاتي كانت تشمخ عمارات شهيرة لعائلات (العورتاني) و (ابو منير) و (ابو السمن) الذين يؤجرون المحلات التجارية , وبيوت السكن للعائلات .

وبعد المحلات التجارية هذه كنا نشاهد صالون حلاقة أبي ليلى وستوديو تصوير, وبجانبهما منطقة صخرية مجوفة كان شخص يبيع الحطب لمن يريد للمدافئ وغير ذلك.

والى الامام قليلاً من هذه الجهة تواجدت مشاغل لصنع القفف وقرب الماء المصنوعة من كاوتشوك عجلات السيارات , ومناجر لصنع أيادي الفؤوس والكريكات , وقطع خشب الأسافين.

وبجانبها كانت محلات أخرى معروفة قديماً مثل : مخبز ابو النمر للخبز الكماج والكهربائي , ومحل بناشر اطارات السيارات لصاحبه الارمني , ثم صالون حلاقة ابي مصطفى , ومحل بقالة خليل الشهيرة منذ الخمسينيات من القرن الماضي - و حتى الآن - وبجانب بقالة خليل كان معمل الترمس الشهير بالجملة ليشتري منه الباعة المتجولون في الشوارع وأحياء عمان .

مسجد رويزق و الكتاتيب

ومقابل مركز الحسين الثقافي كان يتواجد الهنجرالضخم لشركة الكهرباء الاردنية , وبجانبها مدرسة اهلية صغيرة جداً لصاحبها المعلم (فتحي) اسمها المدرسة الاسلامية للاطفال الصغار.. وكذلك مدرسة بنات صغيرة جدا اهلية للمعلمة (سهام) وربما كان التدريس في هاتين المدرستين للصف الثالث الابتدائي فقط..

وبعد هذه الشركة كانت تبدو دار التركماني المعروفة ثم مشاغل قطان وشركة الدخان الجديدة.

وهناك بعض الاماكن الشهيرة والتي كانت وما زال بعضها على سفح جبل النظيف المطل على شارع رأس العين ومنها مثلاً: جامع الشيخ رويزق والذي تقلب على إمامته عدة شيوخ منهم اذكر الشيخ (ابو ابراهيم) الذي درسنا عنده في العطل الصيفية (كتاتيب) القراءة والدين والحساب.

وكان على سفح الجبل الاخضر المطل على متنزه رأس العين ؛ قبر قديم وحيد بارز ضمن مزرعة او حرش جميل هو قبر العماوي، والذي كان اصلاً يسكن في حي المهاجرين.. لكنه اوصى ان يدفن في هذا البستان الخاص به.

وعلى نفس السفح المطل كانت هناك مغارة لامرأة عجوز اسمها (ام زيدان) تدرس الاولاد والبنات (كتاتيب) لقاء مبلغ زهيد جداً.

وفي نفس المنطقة - حيث يرتبط حي الجبل الاخضر بحي نزال - تواجد بيت الشيخ الشهير (نزال العرموطي) والذي اشترى فيما بعد مساحة واسعة من جبل نزال وسُمي الجبل باسمه فيما بعد.