استعرضت في ثلاثة مقالات سابقة، بعض الأسباب التي أدت إلى غضب الأردنيين، وخروجهم خلال رمضان المبارك إلى الميادين والساحات للتعبير عن هذا الغضب، وحتى لا يتكرر ذلك، فإنه لا بد من مواجهة مشاكلنا بصراحة وجرأة، عبر حوار وطني حقيقي، يضع النقاط على الحروف

وحتى يقتنع الأردنيون بجدية الحوار هذه المرة, فلا بد من أن لا يتوقف الحوار عند حدود العناوين العريضة والمعادة, كما جرى في حوارات سابقة استخدمت للتخدير، ثم وضعت توصياتها في إدراج المكاتب وعلى أرففها، بل لا بد لهذا الحوار من الدخول في تفاصيل قضايانا ومشاكلنا وأزماتنا، وتطلعاتنا الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفق برنامج واضح.

فما يقنع الأردنيين في هذه المرحلة هو الحوار الجاد، الذي يقود إلى الخروج ليس بمجرد توصيات عامة، ولكن بخريطة طريق بأهداف محددة وبآليات واضحة لتحقيق هذه الأهداف، وفق برامج زمنية واضحة ومحددة، ووفق معايير يمكن القياس عليها، فقد مل الأردنيون من جولات الحوار البيزنطي التي شهدها بلدهم خلال السنوات الماضية، والتي لم يلمسوا لها أثراً في حياتهم. لأن توصياتها ظلت على الرفوف وفي الأدراج كما أسلفنا.

ما يقنع الأردنيين اليوم هو حوار يقوده رجال دولة، خرجوا من رحم التجربة الوطنية الأردنية، ليكونوا قادرين على التواصل مع الأردنيين، وإقناعهم بحقيقة أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بمصارحة وشفافية كاملتين، وقد دلت التجارب التاريخية على أن الأردنيين ينحازون إلى وطنهم في لحظة الشدة، وعندما تكاشفهم قيادتهم بحقائق أوضاعهم، وقد شكلت هذه المكاشفة طوق النجاة في كل المراحل الصعبة التي اجتزناها. أما ما شهده بلدنا من جولات حوار سابقة فقد كانت تجرى أو تدار من نخب مصنوعة، حاولت ان تسقط على تجربتنا الوطنية تجارب الآخرين ونظرياتهم، التي استوردتها النخب المصنوعة وسعت إلى تطبيقها علينا حتى بدون تكييفها على مقاسنا فكان الحصاد هشيما.

ما نريده حوار يتصف بالجرأة لوضع المواطنين أمام مسؤولياتهم، سواء في خلق الأزمات أو في حلها، فحتى يؤتي الحوار أكله فلا بد أن يتصف بالمصارحة والشفافية، وحتى تؤتي المصارحة والمكاشفة أكلهما، فلابد من وضع المواطنين أمام مسؤولياتهم، ومصارحتهم بأدوارهم في خلق الأزمات الوطنية، ومنها السلوك الاستهلاكي الذي يعمق أزمتنا الاقتصادية، ومنها الطلبات المبالغ بها والتي تفوق قدرات الدولة، ومنها التمترس خلف الهويات الفرعية «عشائرية، جهوية، إقليمية، طائفية» لتحقيق مكاسب على حساب أولويات بناء الاقتصاد الوطني، ومنها الإصرار على مخالفة القانون واللجوء إلى الواسطة والمحسوبية للوصول إلى أهداف غير مشروعة,

وبموازاة وضع المواطنين أما مسؤولياتهم، فإن على الحكومة أن تمهد للحوار الوطني المطلوب بالقيام بإجراءات للتخفيف من الأعباء اليومية، فحتى يثق الناس بجدية الحوار فيجب التمهيد له بسلسلة خطوات تخفف من الأعباء اليومية على الناس وتشعرهم باحترام كرامتهم.

كما ان من المهم بين يدي الحوار التصدي لانتشار خطاب الكراهية، ومحاربته من خلال بناء منظومة إعلامية قادرة، على المساهمة في قيام الحوار الوطني واستمرار المكاشفة والتعامل مع المواطنين بشفافية، قادرة على الوقوف في موجة خطاب الكراهية، وهذا يعني أننا بحاجة إلى بناء منظومة إعلام وطني محترف ومهني، يمتلك عقيدة إعلامية واضحة قادرة على بناء الثقة بين مكونات الدولة الأردنية وقادرة على إبقاء العصب الوطني للأردنيين مشدوداً، وعلى التفاف الأردنيين حول قيادتهم حاضراً وبخاصة في المنعطفات الصعبة.

وحتى يؤتي ما سبق أكله، فلابد من إجراء تغييرات جوهرية، في الكثير من مواقع الدولة ومناصبها المتقدمة. وكذلك لا بد من إشعار المواطنين بجدية محاربة الفساد المالي والإداري وبجدية محاربة الواسطة والمحسوبية، وبجدية سياسة ترشيد الإنفاق وبجدية مسيرة الإصلاح التي ستقود بلدنا إلى شواطئ الأمان الذي نسعى إليه جميعاً.

Bilal.tall@yahoo.com