محمد كريم سلامة - عمان

في قريتنا أشجار كثيفة، وورود برَّاقة، عُشب أخضر يروي المنظر. شمس نصنع من ذهبها عقدا، وطيور بألوان قوس قزح، تسافر أحلامنا في كل يوم مع أنغام العصافير.

ويُحكَى أنَّ في هذه القرية الجميلة ذات الطاقة المنعشة نهر طويل شفَّاف اللَّون، عذب المياه، تتسابق أسماكه كالمطر الغزير بألوانها الذهبية البرَّاقة، تتحدى التيَّار وتُصارعه، تأبى الاستسلام.

يذهب الأطفال للسِّباحة وصيد الأسماك واللَّهو وعندما يتعبون، يستلقون على ضِفاف النَّهر وقد ارتووا بالشرب من مياهه العذبة، لتُعانِقهم أشعة شمس الصيف اللاهبة، هذا رابط الأصدقاء، كل صباح هناك لقاء يروي شوق أحلامهم بصحبة رفيقهم الرقراق، وتمضي الأيام والصحبة تتقهقر.

ذات يوم نظر النَّهر حوله لم يرَ الأولاد، تنهَّد متعجبًا! ومرَّت دقائق وساعات، وبقي النَّهر ينتظر وينتظر، ولم يزره أحد، حَزِن كثيرًا، ومضت أيام وأيام، وفي يوم جديد -بعد فترة من الوقت- سمع النَّهر أصواتَ أقدام وصراخًا وصفيرًا، فتح عينيه كان يرى غبارًا متصاعدًا.

قال في نفسه": ربما مسابقة للخيول. ولم يهتم للأمر... وفجأةً رأى أصدقاءه قادمين مسرعين نحوه، مشتاقين له، يلعبون معه، فرح النَّهر كثيرًا وخاطب أحدهم معاتبا إيَّاه: لماذا يا هُمام هذا الجفاء؟! هل هان الود وتناسيتم الصحبة؟! لِمَ انقطعتم ولم تعودوا تلعبون معي كل هذه المُدَّة؟

-هُمام: لقد انشغلنا بالدراسة قليلا عنك أيها النَّهر الجميل سامحنا.

-النَّهر: لا بأس بذلك، والآن هيا نلعب ونستمتع بوقتنا، لعبوا كثيرًا، واصطادوا سمكًا وفيرًا، وشربوا كثيرًا من النَّهر، حتى غابت شمس الصباح، ورحل الأولاد.

استفاق النَّهر في صبيحة يوم جديد نشيطًا ينتظر هُمام وأصدقاءه لكنَّهم لم يأتوا وغابوا طويلًا هذه المرَّة، ومرَّت سنوات وسنوات.

كان النَّهر يشتاق لهُمام في كل يوم، فهوه صديقه الصدوق الذي يعرف كل أسراره.

ومع صحوة جديدة للشمس الذهبية جلس شاب قرب النَّهر، أخذ يشرب منه بلهفة حتى ارتوى من عطشه، فقال النهر -وهو في حيرة من أمره-: ألست هُمام؟

قال هُمام متعجبًا: بلى، أتذكرني أيها النَّهر الطيب؟!

قال النَّهر: نعم، لكن لماذا لم تزرني منذ زمن؟ وأخذ يرشق المياه حوله من كل جانب حُزنًا وعَتَبًا عليه.

قال هُمام: اهدأ يا صديقي لقد أتعبَتْني الحياة، بعد أن أنهيت دراستي لم أجد عملا، فأنا أجاهد لأحصل على المال حتى أصنع مستقبلي.

قال النَّهر: "متعاطفًا": خذ ما أملك من أسماك وياقوت لتكسب المال.

فرح همام كثيرا وجمع كل ما يملك النَّهر من أسماك وياقوت حتى أصبح النَّهر خاليًا تمامًا.

قال النَّهر: لكن رجائي أن تزورني، لا تنسني، فنحن أصدقاء.

وافق هُمام وذهب سريعًا، ولكنَّ أشغال الحياة لم تجعل هُمام يوفي بوعده، ولم يَعُد ليطمئن على النَّهر، وغاب مدَّة أطول هذه المرَّة، وفي كل يوم يعزف الديك ألحانه، كان النَّهر ينتظر صديقه حتى فقد الأمل، أصبح صامتًا جامدًا قليل الجريان، حاول أصدقاؤه (الأشجار والطيور) أن يخففوا عنه قليلا باللَّعب معه وحثه على الصَّبر وعدم فقدان الأمل.

وفي أحد الأيام كانت صحوة النَّهر متأخرة كغير عادته، والهدوء الشديد يعمُّ المكان، لم يسمع النَّهر صياح الديك ولا الطيور، أين ذهبوا؟! حتى الأشجار ما زالت نائمة، ماذا حصل؟! اختلطت مشاعر النَّهر بين دهشة وخوف وتعجب، ومرت ساعات طِوال وحان وقت القيلولة، قال طائر الببغاء: لقد نام، هيَّا استعدوا. اجتَمَعوا وصاحوا بصوت واحد هزَّ النَّهر: كل عام وأنت بخير.

وأقاموا له حفلة عيد ميلاد جميلة، فرح النَّهر كثيرًا بما قدَّمه أصدقاؤه له وتمنى لو شاركه هُمام هذه الفرحة.

في اليوم التالي، وقُبَيل الفجر، اهتزَّ النَّهر على خطى ثقيلة كانت تقترب من بعيد أشبه بمشي ديناصور، توتر النَّهر كثيرًا ولكنَّه سرعان ما اندهش ورُسمت على وجهه ابتسامة عريضة، وزال الخوف، عندما رأى شيخًا كبيرًا يقترب شيئًا فشيئًا قادمًا نحوه، ما إن اقترب واتضحت صورته حتى تذكَّر ملامح وجهه المُجعَّدة، إنه هُمام، لكنَّه فضَّل الصمت والتَّمعن فقط، حتى رَقَّ قلبه الحنون وقال: ما بالك حزين، ألم تحصل على المال؟!

قال: بلى، ولكنَّ صدري ضيّق، مهموم وحزين من هذه الحياة، فلم أحقق أمنياتي أريد السفر لبعيد.

قال النَّهر: لم يتبقَّ لدي شيء لأقدمه، لكن اركب فوقي وسأوصلك للبحر؛ لتسافر بعيدًا.

قال هُمام: ولكنَّك ستتبخر وستجف، فمياهك قليلة، لا تحتمل الحَرَّ الشديد.

قال النَّهر: لا عليك.

وركب هُمام حتى وصل البحر، بدأ النَّهر يجف وتتبخر قطراته ، وفي هذه الأثناء تجمّعت غيوم كثيفة باكية مطراً غزيراً على صديقها الكريم، وهُمام أيضاً ذرفت عيناه الكثير من الدموع حتى تبلَّلت ملابسه فرحاً على ذلك النَّهر المعطاء الذي أعطاه كل ما يملك مُضحيا بنفسه لكنّ دموع الغيوم أنقذت النَّهر من الجفاف وكان عطاء الجميع دون مقابل، فقط لأنَّهم أصدقاء.

وعاد النَّهر يجري ويجري وفرح الجميع ووقفوا احتراماً لصديقهم المعطاء.