يوسف ناجي

تقوم رواية «لعنة الحب» للكاتبة مرام السعدي (عالم الكتب الحديث، 2018)، على سرد قصة «ميرنا» ذات القلب الشفيف الذي انفطر ونقصت دقاته بسبب قصة حب أشبه بقصة بوليسية، كان بطلها في خانة الأموات في معظم صفحاتها. وهذا التخبط والتقلب في مزاج «ميرنا» أصدقاءها أكثر من مرة لمعرفة سبب سخائها في الدموع والحزن، وكانت إحدى إجاباتها: «إن الحب بالنسبة لي هو وردة مغروسة بشوكها في القلب، تستمد قوتها من قلبك، إنْ نزعتها نزف قلبك حتى الموت، وإنْ قطعتها يبقى أثرها يؤلم قلبك وصدرك طوال العمر، وإن أبقيت عليها ستبقى تؤلمك ولكنك ستتحمل ألمها لجمالها».

إذن، فالحب من وجهة نظر البطلة هو تلك الوردة التي أصرت على بقائها مغروسة بشوكها في قلبها بشوكها، فكلما ازدادت هي ألماً ازدادت الوردة جمالا وكأن الوردة تُسقى من آلام صاحبتها.

بدأت السعدي التحضير جيدا لشخصيات الرواية، والتحضير للمكان والزمان، مما يجعلك تصدّق كل تفاصيل الرواية حتى وإن أصبحتْ في النهاية أقرب إلى قصة بوليسية كما قالت «ميرنا»: «كنت مستمعة جيدة له، كنت أشعر أنني أسمع قصة بوليسية،كالقصص التي اعتدتُ أن أراها في الأفلام!».

كان تسلسل سير الرواية وسرد أحداثها منطقيا طوال الوقت، أقرب إلى الواقعية وبعيدا عن الخيال، وبدت الكاتبة وكأنها تغزل شالا من حرير لا نتوءات فيه، والوصول بالقارئ إلى نهاية مُدهشة لن يتوقعها، خصوصا في تفاعل شخصيات الرواية «ميرنا» وابن عمها «يزن» وحبيبها الميت «مراد» والأصدقاء والصديقات وآخرهم «كنان»، مع بعضهم بعضا. فهذه الشخصيات تؤجّج من نيران حبكة الرواية وتزيدها لهبا، حتى تصل الكاتبة إلى ملامح نهاية ضبابية تجعل القارئ يلهث وصولاً إلى الحرف الأخير.

ما يلف نظر القارئ هو الزخم العاطفي الكبير في الرواية، فالكاتبة كوّنت شخصية بطلتها «ميرنا» بوصفها تفيض بالمشاعر والحب، وتائهة ما بين حب الشاب «مراد» الغائب الحاضر وصديق طفولة يزن، وبين حب «يزن» ابن عمها، وقد تم الكشف عن حبها لـ»مراد» حين وقعت مشاجرة بين الصديقين على حبها، ولم يكن «يزن» يعلم بحبها لـ»مراد»، مما جعلها تثور في وجه الاثنين معاً مخاطبةً «يزن»: «لست مُلكا لأيّ منكما، توقفا عن قول هذه التفاهات...، مراد هو من أنقذ حياتي في حادثة السيارة تلك وهكذا تعرفنا، لم أكن أعلم أنه صديق طفولتك، ولم يكن يعلم أنني ابنة عمك، منذ أيام قليلة اكتشفنا ذلك...، لا أحد منا يستطيع أن يتحكم بمن يختاره قلبه».

تجد البطلة نفسها محاطة بمن يحبها، وعندما اختارت «مراد» لتكمل مشوارها معه كان «مراد» قد مات، مما جعل «يزن» يكمل المشوار معها كصديق أو كابن عمّ، فهو مَن كان يطبطب على كتفها عندما تحزن، يحضنها، ويفعل أيّ شيء لترتسم الابتسامة على شفتيها التي تنطق جهرا بحُب مراد!

الجميل في الرواية أن شخصياتها الرئيسة معدودة على الأصابع، ومع ذلك فالعلاقات في ما بينها متشابكة على الرغم من وضوحها والتقديم لها من قِبل الكاتبة، لكن في نهاية الرواية تتعقد العلاقات بين هذه الشخصيات ليصاب القارئ بالصدمة وهو يتتبع خيوطها.

وما يلفت النظر أيضا هو سمات شخصية «ميرنا» العاطفية أكثر الوقت، المجنونة في بعض الأوقات، والحازمة والقوية في اتخاذ القرارات، والضعيفة أمام لعنة الحب. فأنت عندما تقرأ الرواية ستكون مجبرا على التعاطف مع «ميرنا» وستصبح شريكا معها لأخذ قراراتها، فهي تشاركك في كل شيء، لا تخبّئ في قرارة أعماقها شيئا، وأنت تعلم منذ البداية أنها تائهة ما بين حبيبَين، وتعلم أيضا أنها اختارت «مراد»، وبموته يظهر «يزن» على الواجهة. وحين تعود هذه الاختيارات في نهاية الرواية بشكل مفاجئ، تجعلك «ميرنا» حائرا بالاختيار معها لاتخاذ أيّ قرار ربما سيكون قاتلا.

«حبيبك لم يمت.. حبيبك قُتل».

يتغير مجرى الأحداث في الرواية عندما تتسلم «ميرنا» رسالة من «مراد»، وهذا ما يجعلها تائهة؛ بين أن تفرح أو تبكي. كما إنها لم تعد تعرف: هل كان الحب مصادفة أم قدرا! إنها مسكونة بما يعتملُ في داخلها من مشاعر تفيض مونولوجاً على الورق: «الحب حظ، شيء لا نستطيع التحكم به، شيء لا أعرف ما يجب أن أطلق عليه؛ أهو صدفة أم قدر؟! لا أعرف يا مراد إن كان لقاؤك بي صدفة أم قدرا، ولكن أليس كل شيء مقدَّر حتى الصُّدَف! وما الحظ إذن! قدر أيضا؟».

هذا الصراع الحقيقي في تعريف الحب جعل البطلة تفكر باصطحاب «يزن» في رحلة إلى إيطاليا لملاحقة صاحب الرسالة التي ليس معلوما بعد؛ هل هي من «مراد» أم مجرد لعبة. أما قرارها باصطحاب «يزن» فهدفه لحصول على موافقة أمها على السفر بحجة العمل، وكذلك كي تقوم بإرضاء «يزن» لأنها اتهمته بقتل «مراد» لأنه يحبها، وهذا جعل «يزن» يتخذ قرارا بالابتعاد عنها على الرغم من حبه الشديد لها.

«-ما الذي جاء بك إلى هنا؟

- جئت لأراك.

- لماذا؟ أهناك اتهام آخر تريدين اتهامي به؟ هل أنا مَن قتلت أباك أيضا؟!

- أنا آسفة، لم أكن بوعيي عندما قلتُ ما قلت...».

تتوالى الأحداث وتتصاعد حتى تصل إلى نهاية غير متوقعة، وهذا ما يُحسب للكاتبة التي على الرغم من وضوح سردها تُشعرك أنك خُدعت في النهاية، فقد كان السرد منطقياً والشخصيات لم تتغير، قبل أن يجد القارئ أن هناك مغامرة لذيذة بانتظاره في نهاية الرواية.

من المآخذ على الرواية، الأخطاء اللغوية والنحوية، ووجود كلمات تقع في باب «الحشو» حيث يمكن الاستغناء عنها، ورغم أن النهاية جميلة ومُدهشة إلا أن الفقرة الأخيرة من الرواية لم تكن بمستوى الحدث، خصوصا بعدما تقول البطلة: «كنت أعرف من البداية.. كان حبنا لعنة دائما.. ولعنته الموت».

هذه الرواية تُشبه عنوانها كثيرا، إذ سيلعن القارئ الحب في معظم الأحداث وسيؤنبه أيضا، سيبكي ربما، سيشعر بوفاء البطلة وحبها العميق الذي لم ينقص نقطة واحدة منذ اعترافها لـ»مراد» بحبها حتى موته، سيكون جزءا من الأحداث وربما بطلا في الرواية يساعد البطلة لاتخاذ قراراتها، وكل ذلك لوجود الزخم العاطفي الذي أغرقتْ به الكاتبة مرام السعدي صفحات روايتها، وهذا كله يقود القارئ للتصفيق والبوح جهرا أنه دخل في سراديب الرواية وخرج منها مُشبعا بالحب والجنون.